اضطراب البكاء الهستيري: أعراضه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
تُعد الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتعبير الانفعالي من أكثر المشكلات شيوعًا في العيادات النفسية، لما لها من تأثير مباشر على حياة الفرد الاجتماعية والنفسية والوظيفية. ومن بين هذه الاضطرابات يبرز ما يُعرف بـ اضطراب البكاء الهستيري، وهو اضطراب يتسم بنوبات بكاء شديدة أو متكررة تظهر بصورة غير متناسبة مع الموقف، أو دون سبب واضح، وغالبًا ما تكون مصحوبة بحالة من الاضطراب الانفعالي وفقدان السيطرة المؤقت على المشاعر.
يُساء فهم هذا الاضطراب في كثير من الأحيان، حيث يُفسَّر على أنه ضعف في الشخصية أو مبالغة في ردود الفعل، بينما هو في حقيقته حالة نفسية لها جذور انفعالية وعصبية، وقد ترتبط بعوامل نفسية عميقة أو ضغوط مزمنة لم يتم التعامل معها بشكل صحي. وتكمن خطورة اضطراب البكاء الهستيري في تأثيره السلبي على صورة الفرد عن ذاته، وعلى علاقاته الاجتماعية، إضافة إلى ما قد يسببه من وصم اجتماعي أو سوء تعامل من المحيطين به.
مفهوم اضطراب البكاء الهستيري
اضطراب البكاء الهستيري هو حالة نفسية تتسم بحدوث نوبات بكاء مفاجئة أو متكررة، تكون شديدة في حدتها أو طويلة في مدتها، ولا تتناسب مع الموقف المثير لها، أو تظهر في غياب سبب واضح يستدعي هذا الانفعال. يُنظر إلى هذا الاضطراب بوصفه أحد أشكال الاضطرابات الانفعالية التي تندرج ضمن طيف الاضطرابات التحويلية أو الاضطرابات المرتبطة بتنظيم المشاعر.
من الناحية النفسية، يُعد البكاء الهستيري تعبيرًا غير واعٍ عن صراعات داخلية أو ضغوط نفسية مكبوتة، حيث يعجز الفرد عن التعبير عن مشاعره أو احتياجاته بطرق لفظية أو سلوكية صحية، فيلجأ الجهاز النفسي إلى البكاء بوصفه وسيلة تفريغ انفعالي. أما من الناحية العصبية، فقد يرتبط الاضطراب بخلل مؤقت في آليات تنظيم الانفعال في الدماغ، خاصة تلك المرتبطة بالجهاز الحوفي والقشرة الجبهية المسؤولة عن ضبط المشاعر.
ولا يعني وجود نوبات بكاء متكررة بالضرورة الإصابة بهذا الاضطراب، فالبكاء استجابة إنسانية طبيعية، إلا أن التشخيص يتطلب أن يكون البكاء مفرطًا، غير متحكم فيه، ومؤثرًا بشكل واضح على الأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية.
أعراض اضطراب البكاء الهستيري
تتسم أعراض اضطراب البكاء الهستيري بطابع انفعالي واضح، وتظهر غالبًا على شكل نوبات مفاجئة من البكاء الشديد، قد تستمر لفترات متفاوتة، ويصعب على المصاب إيقافها رغم محاولاته المتكررة. في كثير من الحالات، يكون البكاء غير متناسب مع الموقف أو الحدث، أو قد يحدث دون سبب واضح يمكن للمصاب أو المحيطين به تحديده.
يصاحب نوبات البكاء شعور بفقدان السيطرة على المشاعر، وقد يرافقها توتر داخلي، أو إحساس بالاختناق، أو تسارع في ضربات القلب. بعد انتهاء النوبة، يشعر المصاب غالبًا بالإرهاق النفسي والجسدي، وقد يساوره الإحساس بالذنب أو الخجل أو الإحباط بسبب عدم قدرته على التحكم في انفعالاته.
على الصعيد النفسي، قد يعاني المصاب من تقلبات مزاجية، وحساسية مفرطة تجاه النقد أو المواقف الاجتماعية، مع ميل إلى تفسير الأحداث بصورة عاطفية مبالغ فيها. أما اجتماعيًا، فقد تؤدي هذه النوبات إلى تجنب المواقف الاجتماعية أو المهنية خوفًا من التعرض لنوبة بكاء محرجة، مما يساهم في العزلة وانخفاض جودة الحياة. في بعض الحالات، قد تتداخل أعراض اضطراب البكاء الهستيري مع أعراض اضطرابات أخرى مثل القلق أو الاكتئاب، مما يستدعي تقييمًا نفسيًا دقيقًا.
أسباب اضطراب البكاء الهستيري
تتعدد أسباب اضطراب البكاء الهستيري، وغالبًا ما تكون ناتجة عن تفاعل عوامل نفسية وعصبية واجتماعية، ومن أبرزها:
- الضغوط النفسية المزمنة وعدم القدرة على التعامل معها
- الكبت الانفعالي وصعوبة التعبير عن المشاعر
- التعرض لصدمات نفسية سابقة
- القلق المستمر والتوتر الداخلي
- ضعف مهارات تنظيم الانفعال
- تجارب الطفولة المرتبطة بالإهمال أو القسوة
- الحاجة اللاواعية إلى لفت الانتباه أو طلب الدعم
- اضطرابات نفسية مصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق
- خلل مؤقت في آليات التحكم الانفعالي في الدماغ
طرق تشخيص اضطراب البكاء الهستيري
يعتمد تشخيص اضطراب البكاء الهستيري على التقييم السريري الشامل الذي يجريه مختص في الصحة النفسية. يبدأ التشخيص بمقابلة إكلينيكية تهدف إلى فهم طبيعة نوبات البكاء، وتكرارها، ومدتها، والعوامل التي تثيرها أو تزيد من حدتها. كما يتم تقييم مدى تأثير هذه النوبات على الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، والأداء المهني أو الدراسي.
يحرص المختص على استبعاد الأسباب العضوية أو العصبية التي قد تؤدي إلى نوبات بكاء غير مبررة، مثل بعض الاضطرابات العصبية. كما يتم تقييم وجود اضطرابات نفسية مصاحبة، نظرًا لأن اضطراب البكاء الهستيري قد يظهر كعرض ضمن اضطراب نفسي آخر.
في بعض الحالات، تُستخدم مقاييس واستبيانات نفسية لتقييم شدة الاضطراب ومستوى التحكم الانفعالي. التشخيص الدقيق يُعد خطوة أساسية لوضع خطة علاجية فعّالة ومناسبة لحالة الفرد النفسية وظروفه الشخصية.
طرق علاج اضطراب البكاء الهستيري
يرتكز علاج اضطراب البكاء الهستيري على فهم العوامل النفسية الكامنة وراءه، والعمل على تحسين مهارات تنظيم الانفعال، ومن أبرز طرق العلاج:
- العلاج النفسي المعرفي السلوكي
- العلاج الداعم والتركيز على التفريغ الانفعالي
- العلاج النفسي التحليلي في بعض الحالات
- تدريب مهارات التحكم بالمشاعر
- تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق
- العلاج الأسري عند وجود عوامل أسرية مؤثرة
- علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة
- التثقيف النفسي حول طبيعة الاضطراب
- المتابعة الدورية مع مختص نفسي
مقال ذو صلة: متلازمة الإرهاق المزمن: أسبابها وطرق علاجها
طرق الوقاية من اضطراب البكاء الهستيري
تُعد الوقاية من اضطراب البكاء الهستيري جزءًا مهمًا من تعزيز الصحة النفسية العامة. تبدأ الوقاية بتنمية مهارات التعبير الصحي عن المشاعر، وتشجيع الأفراد على مشاركة مشاعرهم بطريقة متوازنة دون كبت أو مبالغة. كما أن تعلم مهارات إدارة الضغوط والتعامل مع التوتر يسهم في تقليل خطر ظهور هذا الاضطراب.
يساعد الدعم الأسري والاجتماعي الإيجابي على تعزيز الشعور بالأمان النفسي، ويقلل من الحاجة إلى التعبير الانفعالي المفرط. كما أن الوعي المبكر بالمشكلات النفسية وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة يساهم في الوقاية من تطور الاضطراب أو تفاقمه. الوقاية لا تعني منع البكاء، بل تعني الوصول إلى توازن صحي في التعبير الانفعالي.
في الختام
يُعد اضطراب البكاء الهستيري من الاضطرابات النفسية التي تتطلب فهمًا عميقًا وتعاملًا مهنيًا بعيدًا عن الأحكام السطحية. فالبكاء المفرط ليس دليل ضعف، بل قد يكون رسالة نفسية تعبّر عن معاناة داخلية لم تجد طريقها للتعبير الصحي.
إن التشخيص المبكر، والعلاج النفسي المناسب، والدعم الأسري والاجتماعي، كلها عوامل أساسية في تحسين جودة حياة المصاب ومساعدته على استعادة توازنه الانفعالي. ويبقى تعزيز الوعي النفسي ونشر الثقافة الصحية حول هذا الاضطراب خطوة مهمة نحو مجتمع أكثر تفهمًا ورحمة بالصحة النفسية.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Pseudobulbar Affect (PBA): Causes, Symptoms & Treatment
Pseudobulbar affect – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
What to Do When You’re Crying Uncontrollably
Can’t Stop Crying? This May Be Why
مقالات ومصادر متعمقة
Pathological laughing and crying : epidemiology, pathophysiology and treatment – PubMed

