اضطراب نتف الشعر: أعراضه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
اضطراب نتف الشعر هو أحد الاضطرابات النفسية التي تندرج ضمن طيف اضطرابات الوسواس القهري، ويُعد من الحالات التي لا تحظى بالوعي الكافي رغم تأثيرها الكبير على حياة المصابين. يتميز هذا الاضطراب برغبة قهرية لا يمكن مقاومتها لنتف شعر الرأس أو الحاجبين أو الرموش أو أي منطقة أخرى من الجسم، وغالبًا ما يتبع هذا السلوك شعور بالراحة أو الهدوء المؤقت.
ورغم أن البعض يظنه مجرد عادة سيئة، إلا أنه في الحقيقة اضطراب نفسي يحتاج إلى فهم وعلاج متخصص، لأنه يرتبط بالقلق والتوتر والاندفاعية، ويؤثر في صورة الفرد الذاتية وثقته بنفسه.
تتناول هذه المقالة هذا الاضطراب من منظور علمي مبسط يهدف إلى تثقيف القارئ حول مفهوم نتف الشعر، وأعراضه، وأسبابه، وأنواعه، وطرق تشخيصه وعلاجه، بالإضافة إلى طرق الوقاية منه ودعم المصابين به، بما يناسب الباحث عن المعرفة النفسية أو الشخص الذي يواجه هذه المشكلة ويريد فهمها بعمق.
مفهوم اضطراب نتف الشعر
اضطراب نتف الشعر، أو Trichotillomania، هو اضطراب نفسي يتمثل في سلوك متكرر يتمثل في نتف الشعر بشكل قهري من فروة الرأس أو مناطق أخرى من الجسم مثل الحواجب أو الرموش أو الذقن، دون القدرة على التوقف رغم المحاولات المتكررة.
يُصنف هذا الاضطراب ضمن فئة اضطرابات السيطرة على الدوافع أو الاضطرابات ذات الصلة بالوسواس القهري حسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).
يبدأ الاضطراب عادة في مرحلة الطفولة المتأخرة أو المراهقة، وقد يستمر في مرحلة البلوغ ما لم يتم علاجه. يشعر المصاب قبل نتف الشعر بتوتر داخلي أو رغبة قوية للقيام بالسلوك، ثم يشعر بعده براحة أو متعة مؤقتة، يليها غالبًا شعور بالندم أو الخجل أو الذنب.
يختلف مقدار الشعر المنزوع من شخص لآخر، فقد تكون مناطق صغيرة غير ملحوظة، أو واضحة تؤدي إلى فراغات في فروة الرأس أو فقدان شعر الحواجب والرموش. في بعض الحالات، يقوم المصاب بمضغ أو بلع الشعر المنتوف، مما قد يؤدي إلى مضاعفات طبية مثل تكّون كتل شعرية في المعدة (Trichobezoar).
اضطراب نتف الشعر ليس مجرد سلوك عابر، بل هو استجابة نفسية عميقة للضغوط أو المشاعر المكبوتة، ويحتاج إلى فهم دقيق وعلاج متكامل يجمع بين الجوانب النفسية والسلوكية والطبية.
أعراض اضطراب نتف الشعر
تظهر أعراض اضطراب نتف الشعر على عدة مستويات: سلوكية، نفسية، وجسدية. من الناحية السلوكية، يقوم المصاب بشدّ شعره من مناطق معينة في الجسم، وغالبًا بشكل متكرر ودون وعي كامل أثناء حالات القلق أو التوتر أو حتى الملل. وقد تحدث هذه النوبات في أوقات محددة، مثل أثناء المذاكرة، مشاهدة التلفاز، أو عند التفكير الزائد.
يُلاحظ على المصاب وجود فراغات واضحة في الشعر، أو عدم انتظام في كثافة فروة الرأس أو الحواجب، وأحيانًا يحاول إخفاءها بطرق مختلفة مثل ارتداء القبعات أو استخدام المكياج أو قص الشعر بشكل معين لتغطية الأماكن الفارغة.
أما نفسيًا، فيعاني الشخص من مشاعر خجل، وذنب، وتدني احترام الذات، خصوصًا إذا أدرك أن هذا السلوك خارج عن إرادته. كما قد يشعر بالقلق عند محاولة التوقف عن نتف الشعر أو عند مواجهة مواقف تستدعي كشف الرأس أو الوجه أمام الآخرين.
في بعض الحالات، يظهر ارتباط بين هذا الاضطراب واضطرابات نفسية أخرى مثل الوسواس القهري، القلق العام، الاكتئاب، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). قد يُلاحظ أيضًا أن بعض الأشخاص يقومون بسلوكيات مصاحبة مثل اللعب بالشعر المنتوف، أو لمسه، أو فحص جذوره، وهي سلوكيات توفر لهم شعورًا بالتحكم أو الراحة المؤقتة، لكنها تزيد من ترسيخ العادة بمرور الوقت.
أسباب اضطراب نتف الشعر
تتعدد أسباب اضطراب نتف الشعر، وغالبًا ما تكون نتيجة تفاعل بين العوامل النفسية والبيولوجية والبيئية. من أبرز الأسباب المحتملة:
- عوامل وراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الوسواس القهري أو اضطرابات القلق يزيد من احتمال الإصابة.
- اختلال كيميائي في الدماغ: يُعتقد أن الخلل في توازن النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين قد يلعب دورًا في ظهور السلوك القهري.
- التوتر والقلق المزمن: يميل بعض الأفراد إلى نتف الشعر كوسيلة لا شعورية لتخفيف التوتر أو تهدئة المشاعر السلبية.
- العادات السلوكية المكتسبة: قد يبدأ نتف الشعر كعادة بسيطة ثم يتحول مع الوقت إلى سلوك قهري يصعب التحكم فيه.
- التعرض لصدمات نفسية: مثل التنمر، فقدان شخص عزيز، أو تجارب مؤلمة في الطفولة.
- الملل أو الفراغ النفسي: بعض الحالات تبدأ نتيجة غياب التحفيز أو الانشغال، حيث يُستخدم نتف الشعر كآلية للتسلية أو لتفريغ الطاقة المكبوتة.
- اضطراب في التنظيم العاطفي: ضعف القدرة على التعبير عن المشاعر بطريقة صحية يؤدي إلى تحويل القلق إلى سلوك جسدي كنتف الشعر.
- العوامل الهرمونية: تظهر بعض الحالات في مراحل البلوغ أو الحمل أو ما بعد الولادة، مما يشير إلى تأثير التغيرات الهرمونية على السلوك.
أنواع اضطراب نتف الشعر
اضطراب نتف الشعر يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة تبعًا للمكان والسلوك والدافع، ومن أبرز أنواعه:
- نتف شعر فروة الرأس: وهو الأكثر شيوعًا، وغالبًا ما يؤدي إلى مناطق خالية من الشعر.
- نتف شعر الحاجبين أو الرموش: يظهر عادة عند النساء والمراهقات، ويصاحبه خجل كبير من المظهر.
- نتف شعر الوجه أو الذقن: شائع بين المراهقين والبالغين، خصوصًا الذكور.
- نتف شعر الجسم (الذراعين أو الساقين أو العانة): يحدث في بعض الحالات النادرة.
- نتف الشعر الواعي: حيث يدرك المصاب ما يفعله، وغالبًا يقوم به عند الشعور بالقلق أو التوتر.
- نتف الشعر غير الواعي: يتم أثناء الانشغال أو دون إدراك، مثل أثناء القراءة أو مشاهدة التلفاز.
- نتف الشعر المصحوب بسلوكيات إضافية: مثل اللعب بالشعر، أو بلعه، أو تخزينه، وهي حالات أكثر تعقيدًا.
طرق تشخيص اضطراب نتف الشعر
يتم تشخيص اضطراب نتف الشعر من خلال تقييم نفسي دقيق يجريه الطبيب أو الأخصائي النفسي، وفقًا لمعايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).
يشترط للتشخيص أن يكون الشخص:
- يقوم بنتف الشعر بشكل متكرر يؤدي إلى فقدان ملحوظ للشعر.
- حاول التوقف عن هذا السلوك دون نجاح.
- يشعر بتوتر قبل نتف الشعر وراحة بعده.
- يعاني من ضيق نفسي أو تأثير سلبي على حياته الاجتماعية أو المهنية.
- ألا يكون سبب تساقط الشعر طبيًا أو ناتجًا عن حالة جلدية.
يقوم الطبيب بجمع معلومات عن تاريخ الحالة، والأعراض، والعوامل المحفزة، بالإضافة إلى فحص طبي لاستبعاد أي أمراض جلدية.
قد تُستخدم أدوات تقييم مثل مقياس نُتف الشعر (MGH-HPS) لقياس شدة السلوك، وتُجرى مقابلات نفسية للكشف عن وجود اضطرابات مصاحبة. في بعض الحالات، يُنصح بالتصوير الطبي أو التحاليل إذا كان هناك شك في ابتلاع الشعر لتجنب مضاعفات الجهاز الهضمي.
طرق علاج اضطراب نتف الشعر
علاج اضطراب نتف الشعر يتطلب خطة متكاملة تتضمن العلاج النفسي والسلوكي، وأحيانًا الدوائي. وفيما يلي أهم طرق العلاج المستخدمة:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يهدف إلى تعديل الأفكار والسلوكيات المرتبطة بنتف الشعر، ومساعدة المريض على إدراك المواقف التي تثير السلوك وكيفية التعامل معها بطرق صحية.
- علاج عكس العادة (Habit Reversal Training – HRT): أحد أكثر الأساليب فعالية، حيث يتعلم المريض التعرف على الرغبة في نتف الشعر واستبدالها بسلوك آخر غير ضار مثل شد كرة مطاطية أو ضغط اليد.
- العلاج الدوائي: يُستخدم في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، خاصة عند وجود اكتئاب أو قلق مصاحب. وتشمل الأدوية مضادات الاكتئاب من نوع SSRIs أو أدوية تساعد في تنظيم الدوافع مثل N-acetylcysteine.
- العلاج الأسري: يهدف إلى توعية الأسرة بدورهم في دعم المريض دون توبيخ أو انتقاد، وخلق بيئة آمنة خالية من الضغوط.
- العلاج الجماعي: يتيح للمصابين مشاركة تجاربهم وتعلم استراتيجيات المواجهة من الآخرين، مما يعزز الدعم النفسي والاجتماعي.
- العلاج بالتحفيز الحسي: يعتمد على استخدام أدوات أو تمارين حسية تساعد في تفريغ التوتر بطرق بديلة عن نتف الشعر.
- العلاج باليقظة الذهنية (Mindfulness): يساعد في زيادة وعي الشخص بمشاعره ورغباته قبل التصرف، مما يعزز التحكم في السلوك القهري.
- العلاج عبر الواقع الافتراضي أو التطبيقات الرقمية: أدوات حديثة تُستخدم لمساعدة المصاب على مراقبة سلوكه وتدريبه على ضبط الانفعالات.
طرق الوقاية من اضطراب نتف الشعر
تتمثل الوقاية من اضطراب نتف الشعر في تعزيز الوعي الذاتي وتنمية مهارات التعامل مع القلق والتوتر. فكلما كان الفرد أكثر قدرة على إدارة مشاعره، قلّ احتمال تحوله إلى سلوكيات قهرية. يمكن للوالدين أن يلعبوا دورًا مهمًا في المراحل المبكرة من حياة الطفل عبر ملاحظة أي سلوك متكرر غير معتاد، وتشجيع الطفل على التعبير عن مشاعره بدلًا من كبتها.
كما يُنصح بممارسة أنشطة بديلة تساعد على الاسترخاء مثل التأمل، والرياضة، والرسم، لأنها تفرغ الطاقة النفسية الزائدة. الاهتمام بالنوم الكافي والتغذية الصحية يقللان من التوتر، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرار الحالة النفسية. أما في حالة ظهور الأعراض، فإن طلب المساعدة المبكرة من مختص نفسي يُعد أفضل وسيلة للوقاية من تطور الاضطراب. فكلما بدأ العلاج مبكرًا، كانت فرص التعافي أسرع وأفضل.
في الختام
اضطراب نتف الشعر هو أكثر من مجرد عادة، إنه اضطراب نفسي معقد يرتبط بالتوتر والقلق ويحتاج إلى فهم ودعم لا إلى لوم أو إخفاء. ورغم أن المصاب قد يشعر بالعجز أمام هذا السلوك القهري، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أن العلاج السلوكي والدوائي يمكن أن يحقق تحسنًا كبيرًا في معظم الحالات.
الخطوة الأهم هي الاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة، لأن تجاهلها يؤدي إلى تفاقمها ويؤثر في الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية. يجب أن نتذكر أن الاضطرابات النفسية ليست دليل ضعف، بل هي رسائل من العقل تطلب العناية. ومع الدعم الصحيح والعلاج المناسب، يمكن للمصاب أن يستعيد السيطرة على سلوكه وحياته بثقة وهدوء.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Trichotillomania (hair-pulling disorder) – Symptoms and causes – Mayo Clinic
Trichotillomania (Hair Pulling): What It Is, Causes & Treatment
مصادر أكاديمية وطبية
Trichotillomania (hair pulling disorder) – NHS
Trichotillomania – StatPearls – NCBI Bookshelf
مقالات ومصادر متعمقة
Trichotillomania – symptoms and treatment options | healthdirect

