اضطراب التحويل: أعراضه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
تُعد الاضطرابات النفسية الجسدية من أكثر الظواهر تعقيداً في علم النفس والطب النفسي، إذ تجمع بين العالمين النفسي والجسدي بطريقة غامضة ودقيقة. من بين هذه الاضطرابات، يأتي اضطراب التحويل كأحد أهم وأقدم الاضطرابات التي حيّرت الأطباء والمحللين النفسيين منذ قرون.
فقد كان يُعرف قديماً باسم “الهيستيريا التحويلية”، حيث كان يُلاحظ أن بعض الأشخاص يُظهرون أعراضاً جسدية تشبه أمراضاً عصبية أو عضوية — مثل الشلل أو فقدان البصر أو فقدان النطق — دون أن يُظهر الفحص الطبي أي سبب عضوي واضح لهذه الأعراض.
اضطراب التحويل يعكس تحويل الصراع النفسي الداخلي إلى عرض جسدي ملموس، بمعنى أن الجهاز العصبي يتأثر بمشاعر أو ضغوط نفسية شديدة تُترجم في صورة أعراض جسدية غير مفسّرة طبياً.
في هذا المقال، سنتناول هذا الاضطراب من جميع جوانبه بطريقة علمية مبسطة تناسب الباحث أو القارئ المهتم، مع التركيز على المفهوم، الأعراض، الأسباب، الأنواع، طرق التشخيص والعلاج، وأهم سبل الوقاية.
مفهوم اضطراب التحويل
اضطراب التحويل (Conversion Disorder) هو اضطراب نفسي جسدي يُترجم فيه التوتر أو الصراع النفسي إلى أعراض جسدية تؤثر في الوظائف العصبية الحركية أو الحسية، دون وجود دليل على مرض عصبي أو جسدي حقيقي يفسّر تلك الأعراض.
بمعنى آخر، يعاني الشخص من عجز حركي أو حسي مؤقت — مثل فقد القدرة على المشي، أو فقد البصر، أو التشنجات — ويظهر وكأنه مصاب بمرض عصبي، ولكن جميع الفحوص الطبية تكون سليمة تماماً.
هذا الاضطراب يُعد أحد أنواع “الاضطرابات التحويلية” ضمن تصنيف الاضطرابات الجسدية الشكل (Somatic Symptom and Related Disorders) في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).
غالباً ما يظهر اضطراب التحويل بعد التعرض لحدث نفسي مؤلم أو ضغط شديد، حيث يلجأ العقل اللاواعي إلى “تحويل” التوتر الداخلي إلى عرض جسدي يعبّر عن الصراع النفسي بطريقة غير مباشرة. الملفت أن المريض لا يتعمد إظهار هذه الأعراض، بل تحدث دون وعي أو قصد، مما يميز اضطراب التحويل عن التمثيل المرضي أو التظاهر بالمرض.
أعراض اضطراب التحويل
تتعدد الأعراض الجسدية لاضطراب التحويل بحسب طبيعة الصراع النفسي الداخلي وبحسب الشخص نفسه. وغالباً ما تكون الأعراض مرتبطة بالجهاز العصبي الحركي أو الحسي، وتظهر بشكل مفاجئ بعد تعرض الشخص لضغط نفسي كبير أو تجربة صادمة.
قد يُصاب المريض بفقدان مفاجئ للحركة في أحد الأطراف، أو بفقدان الإحساس في جزء من الجسم، أو بفقدان القدرة على الكلام أو البصر دون أن يُظهر أي تلف عضوي. أحياناً تكون الأعراض غريبة وغير منطقية من الناحية التشريحية، لكنها حقيقية تماماً بالنسبة للمريض.
من الملاحظ أيضاً أن المريض قد يبدو هادئاً نسبياً تجاه أعراضه الجسدية، وهي ظاهرة تُعرف بـ”اللامبالاة الجميلة” (La Belle Indifférence)، حيث يتقبل المريض عجزه أو فقدانه لوظيفة جسدية مهمة دون قلق شديد، بعكس ما يُتوقع من شخص يعاني من مرض عضوي مماثل.
الأعراض قد تكون مؤقتة أو متكررة، وقد تتبدل طبيعتها مع الوقت. وفي بعض الحالات، تختفي الأعراض تلقائياً بعد زوال السبب النفسي أو بعد طمأنة المريض، بينما تحتاج في حالات أخرى إلى علاج نفسي متكامل.
أسباب اضطراب التحويل
تتداخل عدة عوامل نفسية واجتماعية وعصبية في نشأة اضطراب التحويل، ومن أبرزها:
- الضغوط النفسية الشديدة: مثل فقدان شخص عزيز، أو صدمات عاطفية، أو حوادث مفاجئة.
- الصراعات النفسية اللاواعية: حيث يُترجم الصراع الداخلي بين الرغبة والواجب إلى عرض جسدي كوسيلة للهروب من الموقف.
- آلية الدفاع النفسي (التحويل): يستخدمها العقل اللاواعي لتحويل القلق أو الخوف إلى عرض جسدي لتجنب الألم النفسي.
- التعلم بالنمذجة: تقليد سلوكيات مرضية شوهدت عند شخص آخر (كأحد الوالدين مثلاً).
- الاهتمام الزائد من الآخرين: بعض المرضى يتلقون اهتماماً خاصاً من محيطهم عند مرضهم، فيتعزز السلوك المرضي بشكل غير واعٍ.
- الاضطرابات العصبية الوظيفية: وجود خلل في التواصل بين الدماغ والجسم على مستوى النواقل العصبية دون تلف عضوي فعلي.
- الوراثة والاستعداد الشخصي: بعض الدراسات تشير إلى دور بسيط للعوامل الوراثية في الاستعداد لهذا النوع من الاضطرابات.
- السمات الشخصية: مثل القلق الزائد، الحساسية العاطفية، أو الميل إلى الكبت والتجنب.
أنواع اضطراب التحويل
يمكن تصنيف اضطراب التحويل إلى عدة أنواع وفقاً لطبيعة العرض الجسدي الذي يظهر على المريض:
- النوع الحركي: يتضمن أعراضاً مثل الشلل المؤقت، ضعف الحركة، الرعشة، أو التشنجات غير الصرعية.
- النوع الحسي: يتمثل في فقدان الإحساس بالألم أو اللمس أو الحرارة في مناطق معينة من الجسم.
- النوع البصري: فقدان مؤقت للبصر دون وجود سبب عضوي واضح.
- النوع السمعي: فقدان السمع أو الطنين النفسي.
- النوع الصوتي أو النطقي: مثل فقدان القدرة على الكلام (الخرس التحويلي) أو تغير نبرة الصوت.
- النوع المشترك: اجتماع أكثر من عرض حركي أو حسي في نفس الوقت.
- النوع التشنجي: حدوث نوبات تشبه الصرع لكنها ليست عصبية المنشأ، وتكون نتيجة التوتر النفسي.
طرق تشخيص اضطراب التحويل
يُعتبر تشخيص اضطراب التحويل من أكثر التحديات التي تواجه الأطباء النفسيين والعصبيين، لأنه يتطلب استبعاد جميع الأسباب العضوية المحتملة قبل تأكيد التشخيص النفسي.
يقوم الطبيب أولاً بإجراء فحص طبي شامل، بما في ذلك الفحوص العصبية والتحاليل المخبرية والصور الشعاعية أو الرنين المغناطيسي، للتأكد من سلامة الجهاز العصبي.
بعد استبعاد الأسباب العضوية، يبدأ التقييم النفسي الإكلينيكي الذي يهدف إلى فهم الظروف الحياتية والنفسية التي سبقت ظهور الأعراض. يعتمد الطبيب على المعايير التشخيصية الواردة في الدليل التشخيصي DSM-5، والتي تتضمن:
- وجود عرض واحد أو أكثر يؤثر في الوظائف الحركية أو الحسية الإرادية.
- عدم وجود تفسير طبي كافٍ للأعراض.
- وجود علاقة زمنية بين الأعراض والعوامل النفسية أو الصراعات الانفعالية.
- غياب النية أو التمثيل الواعي للمرض.
- تسبب الأعراض في ضيق أو عجز ملحوظ في الأداء الاجتماعي أو المهني.
كما قد تُستخدم المقابلات النفسية، ومقاييس الشخصية، واختبارات القلق والاكتئاب لتقييم الحالة النفسية العامة للمريض وتحديد الاضطرابات المصاحبة.
طرق العلاج من اضطراب التحويل
يُعد علاج اضطراب التحويل متعدد الأبعاد، حيث يجمع بين الأساليب النفسية والطبية والاجتماعية لتحقيق أفضل النتائج. من أبرز طرق العلاج:
- العلاج النفسي التحليلي: يهدف إلى كشف الصراعات النفسية اللاواعية ومساعدة المريض على التعبير عن مشاعره بطريقة صحية.
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يركز على تعديل الأفكار غير المنطقية والمعتقدات السلبية المرتبطة بالأعراض، وتعلم مهارات التعامل مع الضغوط.
- العلاج الداعم (Supportive Therapy): يقوم على طمأنة المريض وتقديم الدعم النفسي والعاطفي لتقليل القلق المرتبط بالأعراض.
- العلاج الأسري: يهدف إلى تصحيح التفاعلات الأسرية التي قد تساهم في تعزيز الأعراض المرضية، وتعليم الأسرة كيفية التعامل الإيجابي مع المريض.
- العلاج الطبيعي (Physiotherapy): يستخدم عندما تكون الأعراض الحركية مثل الشلل أو ضعف الحركة، للمساعدة في استعادة الوظيفة العضلية تدريجياً.
- العلاج الدوائي: لا يُستخدم لعلاج الأعراض التحويلية نفسها، ولكن يمكن وصف مضادات القلق أو مضادات الاكتئاب إذا كانت هناك اضطرابات نفسية مرافقة.
- التنويم الإيحائي: في بعض الحالات يمكن استخدام التنويم للمساعدة في كشف الصراع النفسي وتحرير الانفعال المكبوت.
- العلاج الجماعي: يوفر بيئة داعمة من أشخاص يعانون من تجارب مشابهة، مما يقلل الشعور بالعزلة ويعزز التقبل الذاتي.
طرق الوقاية من اضطراب التحويل
تبدأ الوقاية من اضطراب التحويل بفهم العلاقة القوية بين النفس والجسد، والاهتمام المبكر بالصحة النفسية. من المهم تعزيز أساليب التعبير الصحي عن المشاعر بدلاً من كبتها، وتشجيع الأفراد، خصوصاً الأطفال والمراهقين، على التحدث عن مخاوفهم وصعوباتهم دون خوف من النقد. كما يجب إدارة الضغوط النفسية بطرق بنّاءة مثل ممارسة التأمل، والرياضة، وتقنيات الاسترخاء، بدلاً من تركها تتراكم حتى تُترجم في صورة أعراض جسدية.
الأسرة لها دور محوري في الوقاية، من خلال توفير بيئة آمنة ومستقرة نفسياً، وتشجيع التواصل الصريح بين أفرادها. أما في المؤسسات التعليمية والعمل، فينبغي نشر الوعي حول أهمية التوازن النفسي ودعم الأفراد الذين يعانون من أعراض غير مفسرة طبياً بطريقة محترمة وغير حكمية. وأخيراً، يُنصح كل من يعاني من أعراض جسدية غير واضحة باللجوء إلى استشارة الطبيب النفسي في وقت مبكر لتجنب تفاقم الحالة وتحولها إلى نمط مزمن.
في الختام
اضطراب التحويل يُمثل جسراً بين الجسد والنفس، ويعكس مدى الترابط العميق بينهما. فهو رسالة من العقل اللاواعي تشير إلى وجود معاناة نفسية لم تجد طريقها للتعبير السليم، فظهرت على هيئة أعراض جسدية.
الفهم العلمي لهذا الاضطراب يساعدنا على تقبّل فكرة أن الأعراض النفسية قد تكون حقيقية جسدياً، وأن العلاج لا يقتصر على العضو المصاب بل يمتد إلى الحالة النفسية والعاطفية للمريض. الوعي، والتشخيص المبكر، والتعاون بين المريض والطبيب والأسرة هي مفاتيح التعافي من هذا الاضطراب.
إن الاهتمام بالصحة النفسية والوقاية من الضغوط المزمنة لا يقل أهمية عن الوقاية من الأمراض الجسدية، فالنفس السليمة هي الأساس لكل توازن جسدي وحياتي.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Functional Neurological Disorder (Conversion Disorder)
mayoclinic.org/diseases-conditions/conversion-disorder/symptoms-causes/syc-20355197
مصادر أكاديمية وطبية
Functional Neurologic Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Conversion Disorder – The Defeating Epilepsy Foundation
مقالات ومصادر متعمقة
Conversion Disorder – What It Is, Signs/Symptoms, Treatment – NUHS

