اضطراب نهم الطعام: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
اضطرابات الأكل تُعد من المشكلات النفسية الأكثر تعقيدًا وتأثيرًا في الصحة الجسدية والنفسية على حد سواء. ومن بين هذه الاضطرابات، يبرز اضطراب نهم الطعام كأحد أكثرها شيوعًا وأقلها فهمًا في كثير من الأحيان. فهو لا يقتصر على الإفراط في تناول الطعام، بل يتضمن نمطًا متكرّرًا من فقدان السيطرة أثناء الأكل، يعقبه شعور بالذنب أو الخجل. وقد يؤدي هذا الاضطراب إلى مشاكل صحية خطيرة، منها السمنة، الاكتئاب، والانعزال الاجتماعي، مما يجعله حالة طبية تستحق الفهم والدراسة.
يسعى هذا المقال إلى تقديم شرح شامل لهذا الاضطراب، بلغة مبسطة وعلمية، تساعد الباحث على التعرف على أسبابه، أعراضه، أنواعه، طرق تشخيصه وعلاجه، مع تقديم معلومات موثوقة ودقيقة تساهم في نشر التوعية وتعزيز السلوكيات الوقائية.
مفهوم اضطراب نهم الطعام
اضطراب نهم الطعام، أو ما يعرف طبيًا باسم Binge Eating Disorder (BED)، هو اضطراب نفسي يتسم بنوبات متكررة من تناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة زمنية قصيرة، مع فقدان السيطرة على الأكل، يليه شعور قوي بالذنب أو الانزعاج، ولكن دون اللجوء لسلوكيات تعويضية مثل القيء أو الصيام، كما يحدث في حالات الشره المرضي العصبي (Bulimia).
ويُعد هذا الاضطراب أكثر أنواع اضطرابات الأكل شيوعًا، ويؤثر على كل من النساء والرجال، وغالبًا ما يبدأ في أواخر المراهقة أو أوائل البلوغ. ورغم أنه قد يظهر على أي شخص، إلا أنه مرتبط غالبًا بزيادة الوزن أو السمنة، ولكنه لا يقتصر عليها فقط.
أعراض اضطراب نهم الطعام
تتنوع أعراض اضطراب نهم الطعام ما بين سلوكية، نفسية، وجسدية، وغالبًا ما تُلاحظ الأعراض خلال نوبات الأكل نفسها أو بعدها. يتمثل العرض الأساسي في تناول كمية كبيرة من الطعام خلال فترة زمنية قصيرة (عادة أقل من ساعتين)، مع شعور بفقدان السيطرة.
قد يأكل المصاب بسرعة تفوق المعتاد، حتى عندما لا يكون جائعًا، وقد يستمر في الأكل حتى الشعور بعدم الراحة الجسدية. وعادةً ما يتناول الطعام سرًا أو في غياب الآخرين، ويتبع النوبة شعور قوي بالذنب، والخزي، والاشمئزاز من الذات.
من الناحية النفسية، قد يشعر المصاب بالاكتئاب، القلق، أو العزلة الاجتماعية نتيجة هذا السلوك. أما من الناحية الجسدية، فقد يؤدي الإفراط المستمر في الأكل إلى زيادة الوزن، ومشاكل صحية مزمنة مثل السكري من النوع الثاني، ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم. يُشخّص الاضطراب عندما تحدث هذه النوبات بمعدل مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر.
أسباب اضطراب نهم الطعام
تُعزى أسباب اضطراب نهم الطعام إلى تفاعل عدة عوامل نفسية، بيولوجية، وبيئية، وتشمل:
- الضغوط النفسية: مثل القلق، الاكتئاب، أو الصدمات العاطفية.
- تاريخ من اضطرابات الأكل أو الحميات الغذائية القاسية.
- ضعف تقدير الذات والشعور بعدم الكفاءة أو القبول الاجتماعي.
- عوامل وراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الأكل أو السمنة.
- اختلال في النواقل العصبية: مثل السيروتونين والدوبامين، وهي مواد كيميائية تؤثر على المزاج والسلوك.
- الصدمات النفسية: كالتعرض للإساءة الجسدية أو الجنسية في الطفولة.
- العوامل الاجتماعية والثقافية: مثل الضغط المجتمعي لتحقيق شكل جسدي معين.
- مشاكل في مهارات التأقلم: اللجوء إلى الأكل كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية.
أنواع اضطراب نهم الطعام
لا يوجد تقسيم رسمي لأنواع اضطراب نهم الطعام كما في بعض الاضطرابات الأخرى، ولكن يمكن تصنيف النمط الإكلينيكي بناءً على:
- نوبات نهم الطعام العرضية (Episodic): تحدث بشكل غير منتظم، لكنها تسبب انزعاجًا نفسيًا.
- نوبات نهم الطعام المزمنة (Chronic): تحدث بشكل متكرر ومنتظم، وهي الأكثر شدة وتأثيرًا على الحياة اليومية.
- نهم الطعام المرتبط بالعاطفة (Emotional Eating): تناول الطعام كرد فعل لمشاعر مثل التوتر أو الحزن.
- نهم الطعام الليلي (Night Eating Syndrome): الإفراط في تناول الطعام خلال الليل، أو الاستيقاظ خصيصًا للأكل.
- نهم الطعام المرتبط باضطرابات نفسية أخرى: مثل الاكتئاب أو اضطراب الشخصية الحدية.
مقال ذو صلة: اضطراب الأكل العصبي: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
طرق تشخيص اضطراب نهم الطعام
يُعتمد في تشخيص اضطراب نهم الطعام على مقابلة سريرية مفصلة، تُجرى من قِبل الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي الإكلينيكي، باستخدام معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). يتم تقييم نمط الأكل، التكرار، الشعور أثناء وبعد النوبات، والأثر النفسي والسلوكي الناتج عنها.
تشمل معايير التشخيص:
- تناول كمية طعام كبيرة خلال فترة زمنية محددة (أقل من ساعتين).
- الإحساس بفقدان السيطرة خلال النوبة.
- وجود ثلاثة أعراض أو أكثر من مثل: الأكل بسرعة، حتى الامتلاء، عند عدم الجوع، الشعور بالذنب بعد الأكل، أو الأكل سرًا.
- الشعور بالضيق أو الانزعاج الشديد بعد النوبات.
- غياب السلوكيات التعويضية المنتظمة (مثل القيء أو الرياضة المفرطة).
يجب أن تحدث هذه النوبات بمعدل مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، لمدة 3 أشهر.
في بعض الحالات، يُستخدم استبيان اضطرابات الأكل (مثل EDE-Q) لتقييم شدة الحالة ومساعدة التشخيص.
طرق علاج اضطراب نهم الطعام
تتوفر عدة خيارات علاجية فعالة لاضطراب نهم الطعام، وغالبًا ما يكون العلاج متعدد الجوانب:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): الأكثر فاعلية، يساعد في فهم الأفكار السلبية وتعديلها، وتعزيز مهارات التكيف.
- العلاج السلوكي الجدلي (DBT): يُستخدم في الحالات المصحوبة بمشكلات في تنظيم العاطفة أو اضطرابات شخصية.
- العلاج الشخصي (IPT): يركز على تحسين العلاقات الاجتماعية وديناميكيات التفاعل مع الآخرين.
- الأدوية:
- مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRIs) مثل الفلوكستين.
- أدوية تنظم الشهية مثل اللِسْدِكسامفيتامين (Lisdexamfetamine) المعتمد لبعض الحالات.
- المتابعة الغذائية مع أخصائي تغذية: لوضع خطط غذائية صحية، دون الاعتماد على الحميات القاسية.
- المجموعات العلاجية: مشاركة التجارب مع الآخرين يمكن أن تعزز الالتزام والدعم.
- العلاج الأسري: مفيد خاصة في حالة المراهقين.
- العلاج عبر الإنترنت: خيار فعال لبعض الحالات، خاصة في البيئات البعيدة أو ذات الموارد المحدودة.
طرق الوقاية من اضطراب نهم الطعام
رغم صعوبة الوقاية التامة من اضطراب نهم الطعام، إلا أن تعزيز بعض السلوكيات والعوامل الوقائية يمكن أن يقلل من خطر الإصابة به. على سبيل المثال، من المهم تعزيز صورة الجسد الإيجابية وتقدير الذات منذ المراحل المبكرة من العمر، وتقديم بيئة داعمة عاطفيًا. يجب أيضًا تجنّب التعليقات السلبية عن الوزن أو المظهر، خاصة في فترة المراهقة.
كما أن التثقيف حول التغذية السليمة والمرونة في التعامل مع الطعام، بدلًا من الحميات القاسية، له دور مهم. وفي حالة وجود ضغوط نفسية مستمرة أو تاريخ من اضطرابات الأكل، يُنصح بطلب الدعم النفسي مبكرًا قبل أن تتفاقم الأعراض.
في الختام
اضطراب نهم الطعام ليس مجرد إفراط عابر في الأكل، بل هو حالة نفسية معقدة تتطلب فهمًا عميقًا وتعاملًا متخصصًا. كثيرون يعانون في صمت من مشاعر الذنب، وفقدان السيطرة، والانزعاج بعد نوبات الأكل، دون أن يدركوا أن ما يمرون به يُصنّف كاضطراب قابل للعلاج. الفهم المبكر للأعراض، والسعي للحصول على دعم نفسي مختص، يمكن أن يغير مسار حياة المصاب بشكل جذري.
من المهم أن نؤكد أن الشفاء ممكن، وأن طلب المساعدة ليس علامة ضعف بل خطوة شجاعة نحو التغيير. إذا كنت تشك في أنك تعاني من نهم الطعام، أو لاحظت هذه الأعراض لدى أحد أحبائك، فلا تتردد في طلب الاستشارة من طبيب نفسي أو أخصائي علاج سلوكي.
منصة “نفسي فيرتول” تقدم لك الفرصة للتواصل مع مختصين مؤهلين في علاج اضطرابات الأكل، بكل خصوصية وسرية، من أي مكان وفي أي وقت، دون الحاجة للخروج من منزلك. لا تنتظر حتى تتفاقم الحالة، فكلما كان التدخل مبكرًا، زادت فرص الشفاء والعودة إلى نمط حياة صحي ومتوازن.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Overview – Binge eating disorder – NHS
Binge-eating disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Binge Eating Disorder: What It Is, Symptoms & Treatment
Definition & Facts for Binge Eating Disorder – NIDDK
مقالات ومصادر متعمقة
Binge-Eating Disorder – Psychiatric Disorders – MSD Manual Professional Edition

