اضطراب الشخصية الوسواسية: أعراضه وطرق علاجه
الفهرس
- مفهوم اضطراب الشخصية الوسواسية
- أعراض اضطراب الشخصية الوسواسية
- أسباب اضطراب الشخصية الوسواسية
- أنواع اضطراب الشخصية الوسواسية
- طرق تشخيص اضطراب الشخصية الوسواسية
- طرق علاج اضطراب الشخصية الوسواسية
- طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الوسواسية
- المصادر المستعملة لكتابة المقال
- منظمات دولية وهيئات طبية
- مصادر أكاديمية وطبية
- مقالات ومصادر متعمقة
تلعب الشخصية دورًا حاسمًا في تشكيل سلوك الإنسان، وتحديد نمط تفكيره وتفاعله مع الآخرين. وبينما يتمتع أغلب الناس بسمات شخصية مرنة ومتنوعة، هناك بعض الأفراد تظهر عليهم أنماط ثابتة وشديدة من التفكير والسلوك تُسبب لهم صعوبات في حياتهم اليومية. من بين هذه الأنماط ما يُعرف بـ”اضطرابات الشخصية”، وهي فئة من الاضطرابات النفسية المزمنة التي تؤثر على كيفية رؤية الشخص لذاته والآخرين والعالم من حوله.
واحد من أكثر هذه الاضطرابات شيوعًا ولكنه يُفهم بشكل خاطئ في كثير من الأحيان هو اضطراب الشخصية الوسواسية (Obsessive-Compulsive Personality Disorder – OCPD). يختلط هذا الاضطراب في ذهن الكثيرين مع “الوسواس القهري” (OCD)، لكنهما في الحقيقة يختلفان من حيث الطبيعة والتشخيص.
يسعى هذا المقال إلى تقديم فهم دقيق ومبسط لاضطراب الشخصية الوسواسية، من خلال عرض تعريفه، وأعراضه، وأسبابه، وأنواعه، وطرق تشخيصه وعلاجه والوقاية منه. المقال موجه للباحثين والمهتمين بالصحة النفسية، ويهدف إلى توضيح هذا الاضطراب بعيدًا عن الصور النمطية الشائعة.
مفهوم اضطراب الشخصية الوسواسية
اضطراب الشخصية الوسواسية هو أحد اضطرابات الشخصية التي تظهر فيها سمات مفرطة من الكمالية، والانشغال بالنظام، والترتيب، والسيطرة، على حساب المرونة والكفاءة والفعالية. يتميز الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب بصرامة مفرطة في المعايير، وميل شديد إلى التنظيم، وحرص دائم على التفاصيل، ما يجعلهم يعانون في علاقاتهم الشخصية والعملية بسبب تمسكهم الصارم بالقواعد وعدم تقبلهم للآراء المختلفة.
يُصنف هذا الاضطراب ضمن “المجموعة C” من اضطرابات الشخصية في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، وهي الفئة التي تتميز بالقلق والخوف. لا يجب الخلط بين OCPD وOCD؛ ففي حين أن الوسواس القهري (OCD) يُركز على الأفكار القهرية والسلوكيات المتكررة لتخفيف القلق، فإن اضطراب الشخصية الوسواسية يتعلق بأنماط دائمة من التفكير والسلوك، تنبع من رؤية الشخص لنفسه وللعالم بشكل صارم وغير مرن.
أعراض اضطراب الشخصية الوسواسية
أعراض اضطراب الشخصية الوسواسية تظهر على شكل نمط دائم من السلوكيات والتوجهات الصارمة تبدأ في أوائل مرحلة البلوغ وتؤثر سلبًا على مجالات الحياة المختلفة. يُعرف المصابون بـOCPD بالكمالية المفرطة التي تدفعهم إلى الانشغال الشديد بالتفاصيل والقواعد والقوائم والتنظيم لدرجة تعيق إنجاز المهام. فهم لا يشعرون بالرضا إلا إذا تمت الأمور “بالطريقة الصحيحة” حسب معاييرهم الخاصة، وقد يرفضون تفويض المهام للآخرين لأنهم يعتقدون أن لا أحد يمكنه القيام بها على الوجه الأكمل مثلهم.
يميل الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب إلى التفكير الثنائي: إما صواب أو خطأ، ولا مجال للحلول الوسط. كما يُظهرون درجة عالية من الضمير المهني والانضباط، ولكن هذا قد يؤدي إلى إهمال الراحة والعلاقات الاجتماعية. قد يظهر عليهم التصلب في الآراء، والبخل في المشاعر، والحرص المفرط على التوفير، ليس بدافع البخل المادي، بل كجزء من السيطرة والانضباط الذاتي. يصعب عليهم التكيف مع التغيير، ويفضلون الروتين، ويتجنبون المخاطرة، ما يخلق فجوة في علاقاتهم الاجتماعية والعاطفية.
أسباب اضطراب الشخصية الوسواسية
لم يُحدد سبب دقيق واحد لاضطراب الشخصية الوسواسية، بل يُرجح أنه نتيجة تفاعل بين عوامل متعددة، منها:
- العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الشخصية أو اضطرابات القلق يزيد من احتمالية الإصابة بـOCPD.
- البيئة الأسرية الصارمة: التربية القائمة على النقد المفرط، والانضباط الشديد، والمكافآت القائمة على الكمال، قد تزرع بذور السلوكيات الوسواسية.
- العوامل النفسية التطورية: الخبرات المبكرة التي تزرع الشعور بالخوف من الخطأ أو الخروج عن القواعد قد تلعب دورًا في تشكيل الشخصية.
- الاضطرابات الكيميائية في الدماغ: عدم التوازن في بعض النواقل العصبية مثل السيروتونين قد يكون مرتبطًا ببعض السمات الوسواسية.
- التعرض للرفض أو النقد المستمر في الطفولة: مما يدفع الشخص للسعي المستمر للكمال تجنبًا للرفض.
- نمط التعلق الآمن المفرط أو القلق: من الطفولة، حيث يُربط الحب بالإنجاز أو المثالية.
- العوامل الثقافية والاجتماعية: بعض الثقافات تعزز الكمالية والنظام الزائد مما قد يدفع بعض الأفراد نحو السلوكيات الوسواسية.
أنواع اضطراب الشخصية الوسواسية
رغم عدم وجود تصنيفات رسمية دقيقة للأنواع الفرعية من اضطراب الشخصية الوسواسية، إلا أن بعض الباحثين اقترحوا تقسيمه إلى أنماط بناءً على السلوكيات المسيطرة، ومن أبرز هذه الأنواع:
- النوع الكمالي الصارم: يركّز على الإنجاز الكامل، ويصعب عليه قبول الأخطاء أو التسامح مع التغيير.
- النوع المتحكم: يتصف بالرغبة الشديدة في السيطرة على كل التفاصيل وعدم الثقة بالآخرين في تنفيذ المهام.
- النوع التحليلي: يميل إلى التفكير الزائد والتردد بسبب تحليل الأمور بشكل مفرط.
- النوع المنضبط اقتصاديًا: يظهر بخلًا ماديًا مفرطًا ليس بدافع التوفير، بل نتيجة الرغبة في ضبط الحياة بكل جوانبها.
- النوع الأخلاقي أو القيمي: يكون شديد التمسك بالقيم والأخلاق بطريقة متزمتة تفتقر إلى المرونة أو الفهم النسبي.
طرق تشخيص اضطراب الشخصية الوسواسية
يتم تشخيص اضطراب الشخصية الوسواسية من قبل طبيب أو أخصائي نفسي مرخّص، ويتم ذلك من خلال مقابلات سريرية مفصّلة، وأحيانًا باستخدام استبيانات نفسية موثوقة. يعتمد التشخيص على معايير DSM-5 التي تنص على وجود نمط دائم من السلوكيات المتعلقة بالكمالية، والانشغال بالنظام، والسيطرة، ويجب أن تظهر هذه الأعراض في مرحلة البلوغ المبكر، وتكون موجودة في مجموعة متنوعة من السياقات.
يشمل التشخيص التحقق من وجود 4 أعراض على الأقل من أصل 8 محددة، مثل: الانشغال بالتفاصيل، الكمالية التي تعيق الإنجاز، التفاني الزائد في العمل على حساب العلاقات، التصلب الأخلاقي، وعدم القدرة على التخلص من الأشياء عديمة القيمة، والتردد في تفويض المهام، والبخل في الإنفاق، والتصلب والعناد. يجب التأكد أيضًا من أن هذه السلوكيات ليست ناتجة عن حالات طبية أو اضطرابات عقلية أخرى مثل الوسواس القهري (OCD) أو اضطراب القلق العام.
طرق علاج اضطراب الشخصية الوسواسية
علاج اضطراب الشخصية الوسواسية يُعتبر تحديًا نظرًا لطبيعة الشخص المصاب، الذي قد لا يرى سلوكياته على أنها مشكلة، ومع ذلك فإن العلاج النفسي يُعدّ فعّالًا في معظم الحالات، ومن أبرز طرق العلاج:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يُساعد في تغيير أنماط التفكير الكمالية والمتصلبة، وتطوير مهارات التكيف.
- العلاج النفسي الديناميكي: يُركّز على استكشاف الجذور العاطفية العميقة للسلوكيات الوسواسية وتحسين فهم الذات.
- العلاج الجماعي: يمكن أن يكون مفيدًا لتطوير مهارات التواصل والانفتاح على أنماط فكرية مختلفة.
- العلاج الزوجي أو الأسري: في حال تأثرت العلاقات العائلية بسبب الاضطراب، يساهم هذا النوع من العلاج في تحسين التفاعل.
- العلاج الدوائي: في بعض الحالات التي يصاحبها قلق شديد أو اكتئاب، قد تُستخدم مضادات الاكتئاب مثل مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRIs).
- تمارين الاسترخاء والتأمل: لتخفيف التوتر الناتج عن السعي المستمر للكمال.
- التثقيف النفسي: توعية المصاب بطبيعة اضطرابه وأثره على علاقاته وجودة حياته.
- بناء المرونة النفسية: من خلال تقنيات تعزيز تقبّل التغيير وعدم الخوف من ارتكاب الأخطاء، مما يساعد الشخص على التعامل بشكل أكثر مرونة مع المواقف الحياتية.
- تعديل الأهداف الواقعية: عبر العمل على تقليل النزعة للكمال ووضع أهداف قابلة للتحقيق، مما يقلل من الضغط النفسي.
العلاج غالبًا ما يكون طويل الأمد ويحتاج إلى التزام من المريض، ويُعد الدعم الأسري والاجتماعي من العوامل المهمة في تحسين الاستجابة للعلاج.
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الوسواسية
لا توجد طريقة مضمونة للوقاية من اضطراب الشخصية الوسواسية، نظرًا لطبيعته المزمنة والجذرية، لكنه من الممكن الحد من تطوره أو تخفيف تأثيره من خلال التدخل المبكر في حال ظهور سمات وسواسية لدى الطفل أو المراهق. إن التربية المتوازنة التي تجمع بين الحزم والمرونة، وتشجع على تقبل الخطأ والتعلم منه، وتُقلل من النقد المفرط، تلعب دورًا وقائيًا هامًا.
كما أن تعليم الأطفال مهارات التعامل مع التوتر، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم دون خوف، والمساعدة في بناء ثقة بالنفس قائمة على القبول الذاتي وليس على الإنجاز فقط، يساهم في تقليل احتمالية تطور سلوكيات وسواسية صارمة في المستقبل. من جهة أخرى، يمكن للمؤسسات التعليمية والمجتمع أن يسهموا في الوقاية من خلال تقديم الدعم النفسي وتوفير بيئات تعليمية وصحية تُعزز من التوازن النفسي لدى الناشئة.
في الختام
اضطراب الشخصية الوسواسية هو حالة نفسية تؤثر بعمق على نظرة الإنسان للحياة وطريقة تفاعله مع محيطه. ورغم أن الكمالية والتنظيم والانضباط تُعتبر خصالًا إيجابية في كثير من السياقات، إلا أن الإفراط فيها، كما هو الحال في OCPD، قد يؤدي إلى معاناة نفسية واجتماعية واضحة.
فهم هذا الاضطراب من منظور علمي وطبي يساعد في التعرف على العلامات المبكرة، ويدعم الأهل والمعالجين في تقديم المساعدة المناسبة. من المهم التمييز بين اضطراب الشخصية الوسواسية والوسواس القهري، نظرًا للفروقات الجوهرية بينهما، وعدم التعامل مع أعراضه كسمات شخصية عابرة أو مجرد “حب للنظام”.
وفي الختام، تبقى الصحة النفسية مجالًا معقدًا يتطلب وعيًا وتفهّمًا، ودورنا كمجتمع هو دعم من يعانون من هذه الاضطرابات، وتوفير بيئة تُساعدهم على العيش بمرونة ورضا. العلم والرحمة هما مفتاح التغيير، والعلاج يبدأ من الوعي.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Obsessive-Compulsive Personality Disorder (OCPD): Symptoms
Obsessive-compulsive personality disorder: MedlinePlus Medical Encyclopedia
مصادر أكاديمية وطبية
Obsessive-Compulsive Personality Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Obsessive Compulsive Personality Disorder (OCPD) | OCD-UK
مقالات ومصادر متعمقة
Obsessive-Compulsive Personality Disorder | Knowledge Center | Sheppard Pratt

