اضطراب الشخصية النرجسية: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
- مفهوم اضطراب الشخصية النرجسية
- أعراض اضطراب الشخصية النرجسية
- أسباب اضطراب الشخصية النرجسية
- أنواع اضطراب الشخصية النرجسية
- طرق تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية
- طرق علاج اضطراب الشخصية النرجسية
- طرق الوقاية من اضطراب الشخصية النرجسية
- المصادر المستعملة لكتابة المقال
- منظمات دولية وهيئات طبية
- مصادر أكاديمية وطبية
- مقالات ومصادر متعمقة
اضطرابات الشخصية من المواضيع النفسية المعقدة التي تتطلب فهماً عميقاً، سواء من قبل المتخصصين أو من قبل الأفراد الذين يتعاملون مع من يعانون منها. ومن بين هذه الاضطرابات، يُعدّ اضطراب الشخصية النرجسية من أكثرها جدلاً وتشويشًا، خاصةً في ظلّ استخدام مصطلح “نرجسي” بشكل يومي في السياقات الاجتماعية.
يختلف اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder – NPD) جذريًا عن مجرد “حب الذات” أو “الثقة بالنفس”، فهو اضطراب نفسي معترف به طبيًا، وله معايير تشخيصية دقيقة وأعراض ثابتة تؤثر في حياة الشخص المصاب وفيمن حوله.
في هذه المقالة، نهدف إلى تقديم شرح شامل وعلمي بلغة مبسطة حول هذا الاضطراب، بدايةً من تعريفه وأعراضه، مرورًا بأسبابه وأنواعه، وصولًا إلى التشخيص وطرق العلاج، مع خاتمة توعوية تراعي فهم القارئ ونيته في التعلم.
مفهوم اضطراب الشخصية النرجسية
اضطراب الشخصية النرجسية هو نوع من اضطرابات الشخصية يتميز بنمط دائم من العظمة (في الخيال أو السلوك)، حاجة مفرطة للإعجاب، وافتقار للتعاطف مع الآخرين. يظهر هذا النمط عادة في مرحلة البلوغ المبكر ويظهر في مجموعة متنوعة من السياقات، مثل العلاقات الشخصية أو العمل أو التفاعل الاجتماعي.
الشخص المصاب بهذا الاضطراب يرى نفسه كفرد استثنائي وفريد، ويشعر بأنه يستحق معاملة خاصة، وغالبًا ما يتوقع من الآخرين أن يعترفوا بتفوقه دون وجود إنجازات حقيقية تبرر ذلك. كما قد يستغل الآخرين لتحقيق أهدافه الخاصة دون أن يشعر بالذنب أو الندم، وقد يظهر سلوكًا متعاليًا أو متغطرسًا في تعامله مع الناس.
يُعد هذا الاضطراب من “المجموعة ب” في تصنيف اضطرابات الشخصية، وهي المجموعة التي تضم اضطرابات تتسم بالعاطفة المبالغ فيها والسلوكيات الدراماتيكية أو غير المنتظمة.
أعراض اضطراب الشخصية النرجسية
الأعراض التي تظهر لدى المصابين باضطراب الشخصية النرجسية قد تختلف من شخص لآخر، لكنها تشترك في نمط عام واضح ومستمر من العظمة والتمركز حول الذات. في معظم الحالات، يُظهر الشخص المصاب ثقة مفرطة بالنفس قد تبدو جذابة للآخرين في البداية، لكن سرعان ما تتحول إلى استعلاء أو شعور بالتفوق.
غالبًا ما يعتقد المصاب أنه “أفضل من الجميع”، ويشعر بأن الآخرين لا يستطيعون فهمه بسبب تفرده وتميزه، ولذلك قد يتجنب العلاقات العادية ويبحث فقط عن من يراه “بمستواه”. يسعى باستمرار للحصول على الإعجاب والاهتمام، ويشعر بالإهانة أو الغضب إذا لم يتلقَّ هذا الإعجاب.
من الأعراض البارزة أيضًا، غياب التعاطف؛ حيث لا يستطيع الشخص أن يشعر بمشاعر الآخرين أو يفهم احتياجاتهم. يُظهر عادة سلوكًا استغلاليًا، ويستخدم الآخرين لتحقيق مصالحه دون اعتبار لنتائج ذلك عليهم. كما قد يكون سريع الغضب، خاصة عندما يُنتقد أو يشعر بعدم التقدير.
وعلى الرغم من المظهر الخارجي المبالغ فيه بالثقة، غالبًا ما يكون هناك هشاشة عاطفية داخلية، حيث تؤثر الانتقادات البسيطة بشدة على الشخص وتجعله يشعر بالعار أو الإهانة.
أسباب اضطراب الشخصية النرجسية
لا يوجد سبب واحد محدد للإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، لكن الأبحاث تشير إلى أن هناك مجموعة من العوامل المتداخلة التي تساهم في ظهوره، منها:
- الوراثة: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الشخصية أو سمات نرجسية قد يزيد من خطر الإصابة.
- البيئة الأسرية: التربية المبنية على الإعجاب الزائد أو النقد الشديد أو التناقض في التقدير يمكن أن تؤثر في تكوّن الشخصية.
- الاضطراب في العلاقات الطفولية: العلاقات غير المتوازنة مع الوالدين أو الإهمال العاطفي قد تُنتج شخصيات تبحث عن التقدير والتفوق.
- التجارب المبكرة للرفض أو التحقير: الشعور بالضعف أو الانعدام في الطفولة قد يدفع الفرد لبناء قناع من “العظمة”.
- الثقافة المجتمعية: المجتمعات التي تُبالغ في تمجيد الإنجاز الفردي أو الجمال أو الشهرة قد تغذي هذه السمات.
- عوامل نفسية عميقة: مشكلات الهوية أو ضعف في مفهوم الذات قد تدفع الشخص لتعويض النقص بسلوكيات نرجسية.
أنواع اضطراب الشخصية النرجسية
اضطراب الشخصية النرجسية ليس واحدًا موحدًا، بل له أنماط أو أنواع مختلفة، تختلف في طريقة ظهور السلوك، ومن أبرزها:
- النرجسية العلنية (أو الواضحة): حيث يظهر الشخص بثقة زائدة، سلوك متعجرف، وحاجة مستمرة للإعجاب.
- النرجسية الخفية (أو المستترة): يظهر الشخص بصورة خجولة أو متواضعة ظاهريًا، لكنه في الداخل يشعر بالتفوق ويحتاج التقدير.
- النرجسية السامة: هذا النمط يشمل السلوك المؤذي، حيث يستخدم الشخص التلاعب والإهانة لتقليل قيمة الآخرين.
- النرجسية المجتمعية أو الجماعية: يرتبط فيها الشخص بهوية جماعية (مثل الدين، العِرق، السياسة) ويراها متفوقة على الجميع.
- النرجسية المغايرة للمعايير: يظهر فيها الشخص تمردًا على القواعد والقوانين لأنه يرى نفسه “فوق القانون”.
- النرجسية المبالغ فيها بالتواضع: يُظهر فيها الشخص تواضعًا زائفًا للحصول على إعجاب الآخرين بطريقة غير مباشرة.
مقال ذو صلة: اضطراب الشخصية الحدية: مفهومه، أعراضه وأسبابه
طرق تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية
تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية يتطلب تقييماً دقيقاً يقوم به طبيب نفسي أو أخصائي نفسي مدرّب، استنادًا إلى المعايير المحددة في دليل التشخيص والإحصاء للاضطرابات النفسية (DSM-5). يتم التشخيص عادة في مرحلة البلوغ، لأن السمات النرجسية يمكن أن تكون جزءاً طبيعيًا من النمو النفسي في فترة المراهقة.
لا يعتمد التشخيص على وجود صفة واحدة، بل على نمط مستمر من السلوكيات التي تؤثر سلبًا على العلاقات والوظائف الاجتماعية. من المعايير الأساسية: الشعور بالعظمة، الحاجة للإعجاب، قلة التعاطف، الاستغلال في العلاقات، الغيرة من الآخرين، التصرف بتعالي، وغير ذلك.
يشمل التشخيص عادة مقابلات نفسية مفصلة لتقييم تاريخ الشخص، علاقاته، وطريقة تفكيره وسلوكه. كما يتم استبعاد أي اضطرابات نفسية أخرى قد تكون مسؤولة عن الأعراض، مثل اضطرابات المزاج أو الذهان.
من المهم أن يكون التشخيص موضوعيًا، لأن بعض الأشخاص الذين يحملون سمات نرجسية قد لا يعترفون بمشكلتهم بسهولة، بل يرون أن الآخرين هم من يعانون، ما يعقد الوصول إلى التشخيص الدقيق.
طرق علاج اضطراب الشخصية النرجسية
علاج اضطراب الشخصية النرجسية قد يكون تحديًا، لكنه ممكن، خصوصًا إذا كان الشخص مدفوعًا لتحسين علاقاته وفهم نفسه. إليك أبرز الأساليب العلاجية المستخدمة:
- العلاج النفسي الفردي (العلاج بالكلام): وخصوصًا العلاج السلوكي المعرفي والعلاج الديناميكي.
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): لمساعدة الشخص على التعرف على أنماط تفكيره النرجسية وتعديلها.
- العلاج القائم على العلاقات: يركّز على تحسين التفاعل مع الآخرين وتعزيز التعاطف.
- العلاج الجماعي: يمكن أن يساعد في كشف أنماط التفاعل السلبية، لكن يجب أن يتم بحذر.
- العلاج الأسري: لمساعدة أفراد العائلة على فهم المرض والتعامل معه بطريقة صحية.
- العلاج الدوائي: لا يوجد دواء خاص بالنرجسية، لكن يمكن استخدام مضادات الاكتئاب أو القلق إذا كانت الأعراض المصاحبة موجودة.
- التثقيف النفسي (Psychoeducation): توعية الشخص بطبيعة اضطرابه وتأثيره على حياته وعلاقاته.
- التدخل المبكر في العلاقات: لتقليل الأذى الناجم عن السلوكيات النرجسية.
- العلاج طويل الأمد: لأن التغير في السمات الشخصية يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية النرجسية
الوقاية من اضطراب الشخصية النرجسية بمعناه الطبي الكامل قد تكون صعبة، لأن كثيرًا من العوامل المؤدية إليه مرتبطة بالوراثة أو التجارب المبكرة التي يصعب التحكم فيها. ومع ذلك، هناك خطوات يمكن أن تساهم في تقليل خطر تطور هذا الاضطراب أو الحد من تأثيره على المدى الطويل.
أولًا، توفير بيئة تربوية متوازنة في الطفولة يُعد أمرًا جوهريًا؛ فالإفراط في المديح أو النقد الشديد كلاهما قد يؤدي إلى نتائج سلبية. تعليم الطفل كيفية احترام الذات دون الغرور، والتعاطف مع الآخرين، وتحمل المسؤولية عن الأفعال، كلها مهارات تحمي من تطور سمات نرجسية غير صحية.
ثانيًا، التوجيه النفسي المبكر في حال ملاحظة سلوكيات نرجسية مقلقة لدى الأطفال أو المراهقين يمكن أن يساعد في تصحيح هذه الأنماط قبل أن تترسخ. كما أن تقديم الدعم العاطفي المناسب وتعليم مهارات التواصل والتعامل مع الإحباط يمكن أن يقلل من الاعتماد على سلوكيات تعويضية مفرطة مثل العظمة أو التمركز حول الذات.
أخيرًا، نشر الوعي المجتمعي حول اضطرابات الشخصية، بما فيها اضطراب النرجسية، يُساعد في تقليل الوصمة وتشجيع الأفراد المصابين أو المحيطين بهم على طلب المساعدة في الوقت المناسب.
في الختام
اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة نفسية حقيقية ومعقدة، تتجاوز بكثير الصورة النمطية عن الشخص “المغرور” أو “المتكبر”. فهم هذا الاضطراب يتطلب النظر بعمق إلى الأسباب النفسية والتاريخ الشخصي للفرد، بدلًا من الاكتفاء بالحكم السطحي على السلوكيات الظاهرة.
في الوقت ذاته، من المهم التمييز بين النرجسية كاضطراب وبين بعض السمات النرجسية التي قد تظهر لدى أي شخص من وقت لآخر. وجود بعض الصفات النرجسية لا يعني بالضرورة وجود مرض، ولكن عندما تتسبب هذه الصفات في إفساد العلاقات أو خلق معاناة نفسية، فإن التدخل العلاجي يصبح ضروريًا.
بالوعي والدعم النفسي المناسب، يمكن لمن يعانون من هذا الاضطراب أن يحققوا تحسينًا حقيقيًا في جودة حياتهم وعلاقاتهم. كما أن فهم المجتمع لهذا الاضطراب يُساهم في خلق بيئة أكثر رحمة وتفهّمًا، ويُشجّع على طلب المساعدة بدلًا من الاختباء خلف أقنعة التفوق أو العظمة.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Narcissistic personality disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
Narcissistic Personality Disorder: Symptoms & Treatment
مصادر أكاديمية وطبية
Narcissistic Personality Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Psychiatry.org – What Is Narcissistic Personality Disorder?

