الاضطراب المفتعل: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
في عالم الطب النفسي، توجد اضطرابات تتحدى الفهم التقليدي بين المرض الجسدي والنفسي، ومن أبرزها الاضطراب المفتعل. في هذا الاضطراب، يتعمّد الشخص تمثيل أعراض مرضية أو تضخيمها أو حتى إحداثها عمدًا، بهدف الحصول على اهتمام أو رعاية طبية، دون وجود دافع مادي أو خارجي واضح.
الاضطراب المفتعل من الحالات المعقدة التي تربط بين السلوك النفسي والاحتياجات العاطفية العميقة، إذ يسعى المصاب – غالبًا دون وعي كامل – إلى كسب التعاطف أو الشعور بالأهمية من خلال لعب دور “المريض”. هذا السلوك لا يعني التظاهر الكاذب فحسب، بل هو اضطراب نفسي حقيقي يحتاج إلى تشخيص دقيق وتدخل علاجي متخصص.
في هذا المقال، سنستعرض مفهوم الاضطراب المفتعل، وأعراضه، وأسبابه، وأنواعه، وطرق التشخيص والعلاج والوقاية، بأسلوب مبسط موجه للباحثين والمهتمين بفهم هذا النوع النادر والمعقد من الاضطرابات.
مفهوم الاضطراب المفتعل
الاضطراب المفتعل (Factitious Disorder) هو اضطراب نفسي يتعمد فيه الشخص تزييف أو افتعال أعراض جسدية أو نفسية، أو حتى إحداث ضرر لنفسه، بهدف أن يُنظر إليه كمريض يحتاج إلى الرعاية.
يختلف هذا الاضطراب عن التمارض (Malingering)، لأن الهدف في الاضطراب المفتعل ليس ماديًا أو قانونيًا، بل نفسي عاطفي، مثل الحاجة إلى الاهتمام أو التعاطف. قد يقوم المريض بتزوير نتائج الفحوص، أو تناول مواد تسبب أعراضًا مرضية، أو جرح نفسه عمدًا لتقليد مرض معين، بل وقد يتنقل بين المستشفيات والأطباء بحثًا عن العلاج والرعاية.
تُعد هذه الحالة جزءًا من الاضطرابات المصطنعة (Somatic Symptom and Related Disorders) وفق تصنيف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5). ويظهر الاضطراب عادة في البالغين، لكنه قد يبدأ في مرحلة المراهقة، وغالبًا لدى من لديهم خبرة طبية سابقة أو معرفة بالمجال الصحي، مثل الممرضين أو العاملين في المجال الطبي.
أعراض الاضطراب المفتعل
تتنوع أعراض الاضطراب المفتعل حسب الشخص وشدة الحالة، لكنها تشترك في سلوك متكرر يتمثل في إحداث أو تزييف أعراض مرضية بهدف لعب دور المريض. قد يصف المصاب أعراضًا جسدية غير محددة مثل ألم، تعب، أو حمى دون دليل طبي واضح، أو قد يدّعي أمراضًا معقدة مثل السرطان أو أمراض القلب. بعض الحالات تذهب إلى حد إحداث إصابات أو تناول أدوية بشكل مضر لتقليد المرض.
يُظهر الشخص معرفة طبية واسعة، ويحرص على إعطاء تفاصيل دقيقة لجذب اهتمام الأطباء، لكنه يرفض عادةً السماح لهم بالتحدث مع أسرته أو مراجعة سجلاته الطبية السابقة. في بعض الأحيان، يتعمد الانتقال بين مستشفيات مختلفة لتجنب اكتشاف السلوك، ويُعرف هذا النمط باسم “متلازمة مونخهاوزن” (Munchausen Syndrome). من الناحية النفسية، يبدو المريض ودودًا ومهتمًا في البداية، لكنه يصبح دفاعيًا أو عدوانيًا عندما يُشكك أحد في صدق حالته.
الاضطراب لا يقتصر على الجسد، فقد يُظهر المصاب أعراضًا نفسية مزيفة مثل الاكتئاب أو الهلوسة أو فقدان الذاكرة، رغم عدم وجود دلائل طبية على ذلك. ما يميز الاضطراب هو أن المريض لا يبحث عن منفعة خارجية، بل عن تلبية حاجة نفسية داخلية، تتمثل غالبًا في الشعور بالاهتمام أو السيطرة أو الهروب من الإهمال العاطفي.
أسباب الاضطراب المفتعل
الأسباب الدقيقة للاضطراب المفتعل غير معروفة تمامًا، لكنها ترتبط بعوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية متعددة، منها:
- تجارب طفولة مؤلمة مثل الإهمال، أو الاعتداء الجسدي أو النفسي.
- فقدان أو نقص في الدعم العاطفي من الوالدين أو المحيط الأسري.
- تاريخ مرضي طويل في الطفولة أدى إلى اكتساب المريض اهتمامًا مبكرًا من الأطباء.
- الحاجة النفسية الشديدة إلى لفت الانتباه أو الرعاية نتيجة فراغ عاطفي.
- اضطرابات شخصية مصاحبة مثل اضطراب الشخصية الحدّية أو الهستيرية.
- تدني تقدير الذات والشعور بالفراغ الداخلي الذي يُعوّض من خلال دور “المريض”.
- اضطرابات في كيمياء الدماغ قد تؤثر على التحكم في الاندفاعات والسلوك.
- وجود قريب مريض أو بيئة طبية جعلت الشخص معتادًا على رؤية الرعاية الطبية.
- رغبة لا واعية في السيطرة على الآخرين عبر استدرار اهتمامهم من خلال المرض.
أنواع الاضطراب المفتعل
يمكن تقسيم الاضطراب المفتعل إلى عدة أنواع بحسب طبيعة السلوك والشخص المتأثر به:
- الاضطراب المفتعل على الذات (Factitious Disorder Imposed on Self): وهو الشكل الأكثر شيوعًا، حيث يزوّر الشخص أعراضًا في نفسه أو يسبب لنفسه المرض.
- الاضطراب المفتعل على الغير (Factitious Disorder Imposed on Another): وفيه يتعمد الشخص، غالبًا أحد الوالدين، إحداث أعراض مرضية في شخص آخر (عادةً طفل) للحصول على الاهتمام بصفته “مقدم الرعاية”، ويُعرف هذا الشكل بـ “متلازمة مونخهاوزن بالوكالة”.
- الاضطراب المفتعل الجسدي: يختلق فيه المريض أعراضًا جسدية فقط.
- الاضطراب المفتعل النفسي: يزيف فيه أعراضًا نفسية مثل الاكتئاب أو الفصام أو فقدان الذاكرة.
- الاضطراب المفتعل المختلط: يجمع بين أعراض جسدية ونفسية معًا.
كل نوع منها يحتاج إلى تقييم دقيق لأنه قد يشكل خطرًا على المريض أو على الآخرين في حالة النوع المفروض على الغير.
طرق تشخيص الاضطراب المفتعل
تشخيص الاضطراب المفتعل من أصعب المهام في الطب النفسي، لأن المريض يتقن إخفاء نواياه والتلاعب بالأعراض. يبدأ التشخيص عادةً عندما يلاحظ الأطباء تناقضات بين الأعراض المبلغ عنها والنتائج الطبية الفعلية، أو عندما تتكرر حالات المرض دون تفسير طبي واضح.
يقوم الطبيب بجمع معلومات مفصلة عن التاريخ الطبي للمريض، ويتواصل مع أفراد الأسرة (إن أمكن) للحصول على صورة أشمل. كما يتم تحليل النمط السلوكي للمريض، مثل سعيه المتكرر إلى المستشفيات أو رفضه الكشف عن تفاصيل معينة.
يُستخدم الدليل التشخيصي DSM-5 لتأكيد التشخيص، والذي يشترط وجود دليل على أن المريض يتعمد تزييف الأعراض أو إحداثها، وأن الهدف ليس الحصول على مكاسب مادية. من المهم التفريق بين هذا الاضطراب وبين التمارض (حيث يكون الهدف ربحًا ماديًا أو تجنب مسؤولية)، وبين اضطرابات التحويل (التي تحدث دون وعي المريض).
في بعض الحالات، قد يُحال المريض إلى تقييم نفسي متعمق لتحديد وجود اضطرابات شخصية أو تاريخ صدمات نفسية. التشخيص الدقيق يتطلب حساسية عالية وتعاونًا بين الطبيب النفسي والطبيب الجسدي، مع الحفاظ على علاقة مهنية تحترم المريض وتمنع تصعيد سلوكه.
طرق علاج الاضطراب المفتعل
يُعتبر علاج الاضطراب المفتعل تحديًا كبيرًا، نظرًا لأن المصاب غالبًا لا يعترف بوجود مشكلة نفسية. ومع ذلك، فإن النهج العلاجي المتكامل يمكن أن يساعد في تحسين الحالة. وتشمل طرق العلاج:
- العلاج النفسي (Psychotherapy): هو الأساس، ويهدف إلى فهم الدوافع اللاواعية وراء السلوك، خاصة عبر العلاج السلوكي المعرفي (CBT) أو العلاج التحليلي.
- بناء علاقة علاجية داعمة: يقوم الطبيب النفسي ببناء ثقة متبادلة مع المريض لتقليل السلوك المفتعل تدريجيًا.
- العلاج الأسري: لتوعية أفراد العائلة بدورهم في التعامل مع المريض دون تعزيز سلوكه المرضي.
- العلاج الدوائي: لا يُستخدم لعلاج الاضطراب نفسه، بل لعلاج الأعراض المصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق.
- المراقبة الطبية الدقيقة: لتجنب الضرر الجسدي الذي قد يسببه المريض لنفسه.
- العلاج الجماعي: أحيانًا يُفيد في مساعدة المريض على إدراك دوافعه والتعلم من تجارب الآخرين.
- تدخل فرق متعددة التخصصات: يشمل أطباء نفسيين، باطنيين، وممرضين لتنسيق خطة العلاج ومنع إساءة استخدام الخدمات الطبية.
- التعامل المهني الهادئ: يجب أن يكون الطبيب حذرًا في مواجهة المريض دون اتهام مباشر، حتى لا يفقد ثقته ويتوقف عن العلاج.
طرق الوقاية من الاضطراب المفتعل
رغم صعوبة الوقاية من الاضطراب المفتعل بشكل كامل، فإن التدخل المبكر والتوعية النفسية يمكن أن يقللا من احتمالية تطوره. يبدأ الوقاية من خلال تعزيز الصحة النفسية منذ الصغر، وتوفير الدعم العاطفي للطفل لتجنب نشوء احتياج مفرط للاهتمام أو السلوكيات التمثيلية.
كما أن تدريب الكوادر الطبية على التعرف على علامات الاضطراب يمكن أن يمنع استمرار السلوك وتفاقمه. في البيئات الأسرية، من المهم ملاحظة السلوكيات غير المعتادة عند أحد أفراد العائلة ممن يكثرون التحدث عن الأمراض أو التنقل بين الأطباء دون تشخيص واضح.
الوقاية أيضًا تشمل التثقيف حول التمييز بين المرض النفسي الحقيقي والسلوك المفتعل، وتشجيع الأفراد على طلب الدعم النفسي عند الشعور بالإهمال أو الوحدة بدلًا من اللجوء إلى التمثيل المرضي. وأخيرًا، فإن تعزيز العلاقات الاجتماعية السليمة والاهتمام بالعلاج النفسي المبكر يمكن أن يسهم في الحد من ظهور مثل هذه الحالات.
في الختام
يمكن القول إن الاضطراب المفتعل من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وغموضًا، لأنه يجمع بين الحاجة النفسية العميقة إلى الاهتمام والرغبة اللاواعية في لعب دور المريض. وعلى الرغم من أن سلوك المصاب يبدو متعمدًا، فإنه في الغالب يعكس معاناة داخلية حقيقية تحتاج إلى تفهم وعلاج وليس إلى إدانة.
التعامل مع المريض يجب أن يكون قائمًا على التعاطف والحذر في الوقت نفسه، لأن الهدف هو مساعدته على إدراك جذور سلوكه والتعامل معها بطرق صحية وآمنة. إن الكشف المبكر والتعاون بين الأطباء النفسيين والكوادر الطبية يمكن أن يخففا من الأضرار الجسدية والنفسية الناتجة عن هذا الاضطراب.
فيبقى الوعي المجتمعي بالصحة النفسية وتقبّل العلاج النفسي هو الخطوة الأهم نحو بناء مجتمع أكثر فهمًا ورعايةً للاضطرابات النفسية المعقدة مثل الاضطراب المفتعل.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Factitious disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
Factitious Disorders: What Are They, Symptoms, Treatment & Types
مصادر أكاديمية وطبية
Factitious Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Factitious Disorders: Background, Diagnostic Criteria, Epidemiology

