اضطراب تسكع القمار: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
يُعدّ اضطراب تسكع القمار من الاضطرابات النفسية والسلوكية التي ازدادت أهميتها في السنوات الأخيرة مع انتشار التكنولوجيا الحديثة وتوسّع الوصول إلى منصّات المقامرة الإلكترونية. فالمقامرة لم تعد مقتصرة على أماكن محددة، بل أصبحت متاحة بضغطة زرّ، ما جعل خطر الإدمان عليها يتفاقم بشكل ملحوظ. يهدف هذا المقال إلى تقديم فهم شامل وعلمي مبسّط لهذا الاضطراب، من حيث تعريفه، أعراضه، أسبابه، أنواعه، طرق تشخيصه وعلاجه، إضافة إلى أساليب الوقاية منه.
مفهوم اضطراب تسكع القمار
اضطراب تسكع القمار هو حالة نفسية وسلوكية تتميز بفقدان السيطرة على سلوك المقامرة، بحيث يستمر الشخص في المقامرة رغم إدراكه للأضرار النفسية والاجتماعية والمالية التي تُسبّبها له.
يُصنّف هذا الاضطراب ضمن فئة “اضطرابات السلوك الإدماني” لأنه يشترك في خصائص كثيرة مع الإدمانات الأخرى، مثل إدمان المواد أو إدمان الإنترنت، من حيث الاعتماد النفسي، والرغبة القهرية، وفقدان القدرة على التوقف.
ويُعرّف طبياً بأنه نمط مستمر ومتكرر من سلوك المقامرة يؤدي إلى اضطراب أو تدهور واضح في الأداء الاجتماعي أو الوظيفي أو العائلي أو المالي. لا يكون السلوك مجرد تسلية أو هواية، بل يتحول إلى حاجة قهرية تتغلب على قدرة الفرد في التحكم بذاته.
وقد تغيرت النظرة إلى هذا الاضطراب على مدى العقود الماضية؛ فبعد أن كان يُعتبر نوعاً من ضعف الإرادة أو السلوك السيئ، أصبح اليوم يُفهم بوصفه اضطراباً نفسياً حقيقياً يرتبط بعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متشابكة.
أعراض اضطراب تسكع القمار
تتخذ أعراض اضطراب تسكع القمار صوراً متعددة، تتعلق بالفكر والعاطفة والسلوك. فغالباً ما يبدأ الشخص بالمقامرة بدافع الفضول أو التسلية، ثم تتحول الممارسة تدريجياً إلى عادة مسيطرة. من أبرز المظاهر أن الشخص يبدأ بالتفكير في المقامرة معظم وقته؛ فيخطط للرهانات، ويتذكر تجارب الربح السابقة، ويبحث باستمرار عن طرق جديدة للحصول على المال للمقامرة. ومع مرور الوقت، تصبح المقامرة محور حياته اليومية.
يشعر المريض بالضيق أو القلق إذا حاول التوقف عن المقامرة أو تقليلها، وقد يُصاب بأعراض تشبه أعراض الانسحاب لدى مدمني المواد المخدرة، مثل التوتر، والعصبية، واضطراب النوم، والقلق. كما يفشل في السيطرة على رغبته رغم محاولاته المتكررة، ويعود دائماً إلى المقامرة بعد فترات قصيرة من الامتناع.
من السمات المميزة أيضاً أن الشخص يُقامر عندما يشعر بالحزن أو الإحباط أو القلق، أي يستخدم المقامرة كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية. وبعد الخسارة، يُصاب بما يُعرف بـ “مطاردة الخسائر”، حيث يُقامر مرة أخرى محاولاً استرجاع ما فقده، مما يزيد الوضع سوءاً.
وغالباً ما يبدأ المريض في إخفاء سلوكه عن العائلة والأصدقاء، فيكذب حول الوقت أو المال الذي أنفقه في المقامرة. وقد يخسر عمله أو دراسته أو علاقاته بسبب هذا السلوك، ومع ذلك يستمر فيه رغم إدراكه الكامل للعواقب.
كما قد يلجأ إلى اقتراض المال أو حتى ارتكاب سلوكيات غير قانونية لتغطية خسائره. ومع تفاقم المشكلة، يعاني من اضطرابات في المزاج، وشعور بالذنب والخجل، وأحياناً ميول اكتئابية أو انتحارية. هذه الأعراض مجتمعة تشير إلى أن المقامرة لم تعد هواية عادية، بل أصبحت اضطراباً يحتاج إلى تدخل وعلاج متخصص.
أسباب اضطراب تسكع القمار
يُعتبر اضطراب القمار نتيجة تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية. ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:
- العوامل الوراثية والبيولوجية: تشير الدراسات إلى أن هناك استعداداً وراثياً لدى بعض الأفراد يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب. كما أن الخلل في أنظمة النواقل العصبية في الدماغ، مثل الدوبامين والسيروتونين، يلعب دوراً مهماً في تعزيز السلوك الإدماني.
- العوامل النفسية: الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في المزاج، مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط، يكونون أكثر عرضة للمقامرة القهرية. كما قد يكون لديهم ميول شخصية نحو المخاطرة أو البحث عن الإثارة.
- العوامل البيئية والاجتماعية: التعرض المستمر لبيئات تشجع على المقامرة، سواء في العائلة أو الأصدقاء أو وسائل الإعلام، يزيد من احتمالية تطور الاضطراب. كذلك فإن إغراء الإعلانات التي تُظهر المقامرة كوسيلة للربح السريع تلعب دوراً مؤثراً.
- العوامل الاقتصادية: قد يبدأ البعض بالمقامرة بدافع الحاجة المالية أو الأمل في تحسين الوضع المعيشي، خاصة في حالات البطالة أو الضغوط الاقتصادية.
- الخبرات الحياتية: في بعض الحالات، تكون المقامرة وسيلة للهروب من الواقع، كطريقة لتجنّب الحزن أو الفشل أو الوحدة.
- تأثير الأدوية: بعض الأدوية التي تؤثر على مراكز المكافأة في الدماغ، مثل أدوية مرض باركنسون، قد تزيد من احتمال ظهور سلوكيات اندفاعية مثل المقامرة القهرية.
أنواع اضطراب تسكع القمار
تختلف أشكال اضطراب تسكع القمار باختلاف الدوافع والأنماط السلوكية، ومن أبرز أنواعه:
- المقامرة من أجل الربح المالي: حيث يندفع الشخص بدافع الطمع والرغبة في تحقيق مكاسب مادية سريعة.
- المقامرة للهروب من الواقع: يمارسها الفرد لتخفيف القلق أو الحزن أو الاكتئاب، وليس بدافع الربح.
- المقامرة بدافع الإثارة: يسعى الشخص إلى الشعور بالتحدي والمغامرة والإثارة التي تصاحب المقامرة.
- المقامرة الإلكترونية أو عبر الإنترنت: وهي الأكثر شيوعاً حالياً، حيث تُمارس من خلال تطبيقات أو مواقع إلكترونية يصعب التحكم بها.
- المقامرة المزمنة: حالة تستمر على مدى طويل وتتكرر فيها نوبات المقامرة دون انقطاع.
- المقامرة العرضية أو المتقطعة: حيث يمر الشخص بفترات من المقامرة المفرطة تتخللها فترات من الهدوء النسبي، لكنه في النهاية يعود إليها.
طرق تشخيص اضطراب تسكع القمار
يتم تشخيص اضطراب تسكع القمار وفق معايير محددة تعتمد على ملاحظة سلوك الشخص خلال فترة زمنية لا تقل عن 12 شهراً. لكي يُشخّص الفرد كمصاب، يجب أن تظهر عليه أربعة أو أكثر من الأعراض المميزة، مثل الحاجة إلى زيادة المبالغ للحصول على نفس الإثارة، القلق عند التوقف، الفشل المتكرر في السيطرة، الانشغال الدائم بالمقامرة، استخدام المقامرة للهروب من المشاعر السلبية، العودة إليها بعد الخسارة، الكذب لإخفاء مدى الانغماس فيها، خسارة العلاقات أو العمل بسببها، أو الاعتماد على الآخرين لتغطية الخسائر.
يتم تقييم شدة الاضطراب بناءً على عدد المعايير المتحققة:
- من 4 إلى 5 معايير: اضطراب خفيف.
- من 6 إلى 7 معايير: اضطراب متوسط.
- من 8 إلى 9 معايير: اضطراب شديد.
يُجري التشخيص عادة طبيب نفسي أو أخصائي في علم النفس الإكلينيكي من خلال مقابلات سريرية واستخدام استبيانات معيارية. كما يجب استبعاد الحالات التي قد تفسر سلوك المقامرة مؤقتاً، مثل نوبات الهوس في الاضطراب ثنائي القطب. يُعد التشخيص المبكر عاملاً حاسماً في نجاح العلاج، إذ كلما طالت فترة المقامرة غير المنضبطة، زادت الصعوبات المالية والنفسية الناتجة عنها.
طرق علاج اضطراب تسكع القمار
تتعدد طرق علاج اضطراب تسكع القمار، وغالباً ما تتضمن خطة علاجية متكاملة تشمل الجوانب النفسية والسلوكية والاجتماعية. من أهم الأساليب العلاجية ما يلي:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يُعتبر من أنجح الطرق، إذ يهدف إلى تعديل الأفكار المشوّهة حول المقامرة، وتعليم الشخص كيفية مواجهة الدوافع والرغبات الإدمانية.
- العلاج النفسي الفردي: يساعد المريض على فهم الأسباب العميقة وراء لجوئه للمقامرة، مثل الضغوط أو الصدمات السابقة، ويعمل على تقوية مهارات التكيف.
- العلاج الأسري: يُعد مهماً لأن المقامرة تؤثر على الأسرة بأكملها. إشراك أفراد العائلة يساعد على بناء بيئة داعمة للمريض وتعزيز فرص التعافي.
- العلاج الجماعي أو مجموعات الدعم: مثل مجموعات “مقامرون مجهولون”، حيث يشارك الأفراد تجاربهم ويدعم بعضهم البعض في الحفاظ على الامتناع.
- العلاج الدوائي: رغم عدم وجود دواء محدد معتمد لهذا الاضطراب، فإن بعض الأدوية قد تُستخدم لعلاج الاضطرابات المصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق، أو لتقليل الاندفاعية.
- إدارة المال: جزء أساسي من التعافي هو تنظيم الشؤون المالية، مثل الحد من الوصول إلى المال أو تفويض شخص موثوق لإدارة الشؤون المالية مؤقتاً.
- التحكم بالمثيرات: من الضروري تجنب البيئات التي تحفّز الرغبة في المقامرة، مثل مواقع الإنترنت أو الأصدقاء الذين يمارسونها.
- خطط الوقاية من الانتكاس: تشمل وضع خطة محددة لكيفية التعامل مع المواقف التي قد تثير الرغبة في المقامرة، والتواصل الدائم مع المعالج أو مجموعة الدعم عند الشعور بالضعف.
- إعادة بناء نمط الحياة: تشجيع المريض على ممارسة أنشطة بديلة تُحقق له الإشباع النفسي والإنجاز، مثل الرياضة أو العمل التطوعي أو تطوير المهارات.
طرق الوقاية من اضطراب تسكع القمار
تبدأ الوقاية من اضطراب تسكع القمار بالتثقيف والتوعية المبكرة، خصوصاً بين فئة الشباب. فالمعرفة بطبيعة المقامرة ومخاطرها تُعتبر خط الدفاع الأول ضد تطور السلوك الإدماني.
من المهم تعليم الأفراد مهارات إدارة المال، وتعزيز قيم الصبر والتخطيط بدلاً من الاعتماد على الحظ أو المكسب السريع. كما ينبغي تحذير الناس من الأساليب التي تستخدمها شركات المقامرة لجذب الزبائن من خلال الجوائز الوهمية والإعلانات المضللة. تلعب الأسرة دوراً محورياً في الوقاية، إذ يساعد التواصل الجيد والمراقبة غير القمعية على اكتشاف السلوكيات الخطرة في مراحلها المبكرة.
كما أن على المدارس والجامعات تبنّي برامج توعية نفسية تشرح مخاطر الإدمان السلوكي بأنواعه. أما على المستوى المجتمعي، فيُستحسن وجود قوانين تنظم المقامرة وتحُدّ من انتشارها، إضافة إلى إنشاء مراكز استشارة مبكرة للأشخاص الذين تظهر عليهم بوادر السلوك الإدماني. إن الوقاية ليست فقط مسؤولية فردية، بل مجتمعية أيضاً، وتحتاج إلى تعاون المؤسسات الصحية والتعليمية والإعلامية.
في الختام
اضطراب تسكع القمار ليس ضعفاً في الشخصية ولا مجرد عادة سيئة، بل هو اضطراب نفسي معقد يتطلب فهماً عميقاً وتعاملاً علاجياً متكاملاً. تكمن خطورته في كونه يبدأ تدريجياً حتى يتحول إلى سلوك قهري يؤثر على حياة الفرد وعائلته ومجتمعه. لكن الأمل في التعافي موجود، فالعلاج المبكر والدعم الأسري والمجتمعي يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في حياة المصاب.
من الضروري أن يُنظر إلى الشخص المصاب بعين التفهم لا الإدانة، وأن يُشجع على طلب المساعدة دون خجل. كما يجب على المجتمعات العربية أن تكثف برامج الوقاية والتثقيف حول مخاطر المقامرة الإلكترونية التي باتت أكثر انتشاراً وسهولة من أي وقت مضى.
وفي النهاية، إن الوعي هو الخطوة الأولى نحو الحماية، والعلاج هو الطريق إلى استعادة التوازن والقدرة على التحكم في الحياة من جديد.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Gambling Disorder: What It Is, Symptoms & Treatment
Compulsive gambling – Symptoms & causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Psychiatry.org – What is Gambling Disorder?
Gambling addiction: Symptoms, triggers, and treatment

