اضطراب النوم: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
النوم ليس مجرد حالة من الراحة الجسدية، بل هو وظيفة بيولوجية ضرورية لصحة الجسم والعقل. يؤثر النوم الجيد على التركيز، المزاج، المناعة، التمثيل الغذائي، وحتى الصحة النفسية والذهنية. ومع ذلك، يعاني عدد متزايد من الناس حول العالم من اضطرابات النوم، مما ينعكس سلبًا على جودة الحياة والإنتاجية. في عالم يزداد فيه التوتر والتكنولوجيا تسللًا إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، يصبح النوم الجيد ترفًا لا يحصل عليه الكثيرون.
اضطراب النوم ليس مجرد شعور بالتعب أو الأرق؛ بل هو اضطراب طبي ونفسي قد يكون مزمنًا ويتطلب تدخلاً متخصصًا. يتضمن مجموعة من الأعراض والمسببات التي تتنوع بين الأرق، فرط النوم، انقطاع التنفس أثناء النوم، أو اضطرابات إيقاع الساعة البيولوجية.
مفهوم اضطراب النوم
اضطراب النوم هو مصطلح طبي يُستخدم لوصف مجموعة من الحالات التي تؤثر على جودة، توقيت، أو مدة النوم، مما يؤدي إلى ضعف القدرة على القيام بالأنشطة اليومية بشكل فعّال. هذه الاضطرابات قد تكون مؤقتة أو مزمنة، وتتنوع من حيث السبب والتأثير. يشعر الشخص المصاب عادة بصعوبة في النوم، أو الاستمرار فيه، أو الاستيقاظ مبكرًا دون القدرة على العودة إلى النوم، أو الشعور بعدم الراحة رغم الحصول على عدد كافٍ من ساعات النوم.
يُصنّف اضطراب النوم ضمن نطاق الاضطرابات النفسية أو العصبية في كثير من الأحيان، إلا أنه قد يكون ناتجًا أيضًا عن أسباب عضوية أو بيئية أو سلوكية. تختلف الأعراض من شخص لآخر، وقد تؤثر على الصحة الجسدية والعقلية، وتؤدي إلى مشاكل في التركيز، زيادة القلق، تقلبات المزاج، وحتى خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري.
أعراض اضطراب النوم
تختلف أعراض اضطرابات النوم حسب نوع الاضطراب وشدته، لكنها تشترك في بعض السمات العامة التي تؤثر على جودة حياة المصاب. أكثر الأعراض شيوعًا هي صعوبة البدء في النوم رغم الشعور بالتعب، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل مع صعوبة العودة إلى النوم. يعاني بعض الأشخاص من الاستيقاظ المبكر جدًا في الصباح دون رغبة بذلك، أو النوم لفترات طويلة والشعور بالتعب عند الاستيقاظ.
من الأعراض الأخرى: الشخير بصوت عالٍ، اللهاث أثناء النوم، الكوابيس المتكررة، السير أثناء النوم، أو الشعور بالنعاس المفرط أثناء النهار. وفي بعض الحالات، قد تظهر مشكلات في التركيز، ضعف الأداء المهني أو الدراسي، أو مشاكل في العلاقات الاجتماعية بسبب التهيج والانفعالات الزائدة. غالبًا ما يصف المصابون النوم بأنه غير مريح أو غير منعش، حتى لو بدا كافيًا من حيث الزمن.
أسباب اضطراب النوم
تتنوع أسباب اضطرابات النوم، وقد تكون عضوية، نفسية، سلوكية، أو بيئية. من أبرز الأسباب:
- الضغوط النفسية: مثل القلق، الاكتئاب، أو التوتر المزمن.
- العادات السلوكية السيئة: مثل استخدام الأجهزة الذكية قبل النوم، أو عدم وجود جدول نوم منتظم.
- الاضطرابات النفسية: كاضطراب القلق العام، الاكتئاب، أو اضطراب ما بعد الصدمة.
- الأدوية: بعض الأدوية مثل مضادات الاكتئاب، أدوية القلب، أو المنشطات قد تؤثر على جودة النوم.
- تناول الكافيين أو النيكوتين: خصوصًا في ساعات المساء.
- البيئة المحيطة: مثل الضوضاء، الإضاءة القوية، أو درجة حرارة الغرفة غير المناسبة.
- الاختلالات الهرمونية: مثل فرط نشاط الغدة الدرقية أو تقلبات الهرمونات لدى النساء.
- أمراض عضوية: مثل توقف التنفس أثناء النوم، متلازمة تململ الساقين، أو الألم المزمن.
- العمل بنظام المناوبات: يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية الطبيعية للجسم.
- العوامل الوراثية: قد تلعب دورًا في بعض أنواع اضطرابات النوم.
أنواع اضطراب النوم
توجد أنواع عديدة من اضطرابات النوم، ويصنّفها الطب الحديث حسب طبيعتها وتأثيرها على النوم:
- الأرق (Insomnia): صعوبة في الدخول في النوم أو الاستمرار فيه، ويعد من أكثر الاضطرابات شيوعًا.
- فرط النوم (Hypersomnia): نوم مفرط أثناء الليل أو شعور دائم بالنعاس خلال النهار.
- انقطاع التنفس أثناء النوم (Sleep Apnea): توقف مؤقت للتنفس أثناء النوم يؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر.
- اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية (Circadian Rhythm Disorder): خلل في توقيت النوم الطبيعي بسبب السفر أو العمل بنظام المناوبات.
- اضطرابات النوم الحركية: مثل متلازمة تململ الساقين، التي تدفع المصاب إلى تحريك قدميه بشكل لا إرادي.
- الكوابيس والهلع الليلي: تحدث خلال النوم العميق، وتسبب استيقاظًا مفاجئًا وشعورًا بالخوف.
- السير أثناء النوم (Sleepwalking): حركة أو أنشطة تحدث أثناء النوم دون وعي تام.
- شلل النوم (Sleep Paralysis): فقدان مؤقت للحركة عند الدخول في النوم أو الاستيقاظ، ويكون مصحوبًا بشعور بالخوف.
- الأحلام المزعجة المتكررة: قد تسبب الأرق أو قلق النوم المتكرر.
طرق تشخيص اضطراب النوم
تشخيص اضطراب النوم يتطلب تقييمًا دقيقًا من مختص في طب النوم أو الطب النفسي، ويبدأ ذلك بأخذ التاريخ المرضي المفصل للمريض، بما في ذلك عادات النوم، مواعيد النوم والاستيقاظ، العوامل النفسية أو العضوية المصاحبة، وأي استخدام للأدوية أو مواد منبهة. يُطلب أحيانًا من المريض تعبئة “يوميات النوم” لمدة أسبوعين لتتبع نمط النوم والاستيقاظ والأعراض المرتبطة به.
في بعض الحالات، يُجرى فحص يسمى “دراسة النوم” أو تخطيط النوم الليلي (Polysomnography)، حيث يُراقب المريض خلال نومه لقياس المؤشرات الحيوية مثل التنفس، حركة العينين، نبض القلب، ومستوى الأوكسجين. هذا النوع من الفحوص مهم لتشخيص حالات مثل انقطاع التنفس أثناء النوم أو متلازمة حركة الأطراف الدورية.
يُستخدم أيضًا مقياس النعاس النهاري، ومقاييس الاكتئاب والقلق، لتحديد ما إذا كانت هناك اضطرابات نفسية مرتبطة. الهدف من التشخيص هو تحديد نوع الاضطراب وأسبابه، مما يسهل وضع خطة علاجية مناسبة وشاملة.
طرق علاج اضطراب النوم
تعتمد طرق علاج اضطرابات النوم على نوع الاضطراب، ومدى تأثيره، وأسبابه الكامنة. إليك أبرز أساليب العلاج:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT-I): يساعد على تغيير الأفكار السلبية والسلوكيات التي تؤثر على النوم.
- تنظيم روتين النوم: مثل النوم والاستيقاظ في نفس الوقت يوميًا، حتى في العطلات.
- الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية: خصوصًا قبل النوم بساعتين على الأقل.
- العلاج بالأدوية: مثل المنومات قصيرة المدى أو أدوية تخفيف القلق، ويُستخدم تحت إشراف طبي.
- علاج اضطرابات التنفس: باستخدام أجهزة مثل جهاز CPAP لحالات توقف التنفس أثناء النوم.
- تقنيات الاسترخاء: مثل التأمل، تمارين التنفس، أو اليوغا لتحسين جودة النوم.
- العلاج الضوئي: يستخدم لعلاج اضطرابات الساعة البيولوجية خاصة لدى العاملين بالمناوبات.
- تقليل الكافيين والمنبهات: خاصة في ساعات ما بعد العصر.
- العلاج النفسي: لعلاج الأسباب النفسية الكامنة مثل الاكتئاب أو القلق.
- العلاج البدني: في حالات الألم المزمن أو متلازمة تململ الساقين.
طرق الوقاية من اضطراب النوم
تبدأ الوقاية من اضطرابات النوم باتباع عادات نوم صحية تُعرف باسم “نظافة النوم”، وهي مجموعة من الممارسات اليومية التي تعزز النوم الطبيعي والعميق. من أهمها الالتزام بجدول نوم منتظم، تقليل الإضاءة والشاشات الإلكترونية قبل النوم، وتخصيص غرفة النوم للنوم فقط دون استخدام الأجهزة الذكية أو العمل فيها. كما يُنصح بممارسة التمارين الرياضية خلال اليوم، وتجنب الكافيين والنيكوتين في المساء.
كذلك، يجب الانتباه للعلامات المبكرة لأي اضطراب نفسي قد يؤثر على النوم، مثل القلق أو التوتر المستمر، ومعالجته مبكرًا. إدراك الفرد لتأثير النوم على الصحة العامة هو خطوة وقائية بحد ذاتها. كما أن دعم الأهل للأطفال واليافعين في تنظيم روتين النوم، ومراقبة جودة نومهم، يساعد في الوقاية من تطور اضطرابات مزمنة.
الوقاية لا تعني فقط تجنب الإصابة، بل تشمل أيضًا تقليل حدة الأعراض لدى من يعانون من اضطرابات خفيفة من خلال التثقيف والمتابعة المستمرة.
في الختام
اضطراب النوم ليس مجرد إزعاج ليلي، بل هو مشكلة صحية معقدة قد تؤثر على جميع جوانب الحياة الجسدية والعقلية والاجتماعية. في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، يصبح النوم الصحي حاجة ملحة للحفاظ على التوازن النفسي والبدني. إن فهم اضطرابات النوم، والقدرة على تمييز أعراضها، والسعي للحصول على المساعدة المتخصصة عند الحاجة، هي خطوات أساسية للوقاية والعلاج.
من خلال المقالة، نأمل أن تكون قد حصلت على رؤية شاملة حول هذا الاضطراب، بدءًا من المفهوم، إلى الأسباب، الأنواع، وطرق العلاج. إذا كنت تشك في إصابتك أو إصابة أحد أفراد أسرتك باضطراب النوم، لا تتردد في مراجعة مختص في طب النوم أو الطب النفسي، لأن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يحسِّن نوعية الحياة بشكل كبير.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Sleep Disturbances – Clinical Methods – NCBI Bookshelf
Sleep Disorders: Types, Causes, Symptoms & Treatment
مصادر أكاديمية وطبية
Sleep disorders – Symptoms and causes – Mayo Clinic


[…] ما تترافق هذه الأعراض مع اضطرابات النوم، أو القلق، أو تقلبات المزاج، وقد تؤدي في بعض الحالات […]
[…] في تغيرات بالمزاج، أو القلق، أو ضعف التركيز، أو اضطرابات النوم، أو مشكلات في التكيف مع المرض. وتحدث هذه الاضطرابات […]
[…] تحديد وجود أعراض مميزة مثل التدهور بعد المجهود واضطرابات النوم والضباب الدماغي، لأنها تساعد في تأكيد التشخيص. وفي بعض […]