اضطراب الشخصية الحدية: مفهومه، أعراضه وأسبابه
الفهرس
- مفهوم اضطراب الشخصية الحدية
- أعراض اضطراب الشخصية الحدية
- أسباب اضطراب الشخصية الحدية
- أنواع اضطراب الشخصية الحدية
- طرق تشخيص اضطراب الشخصية الحدية
- طرق علاج اضطراب الشخصية الحدية
- طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الحدية
- المصادر المستعملة لكتابة المقال
- منظمات دولية وهيئات طبية
- مصادر أكاديمية وطبية
- مقالات ومصادر متعمقة
في حياة الإنسان، تُشكل العلاقات مع الآخرين، الهوية الذاتية، والتوازن العاطفي ركائز أساسية للرفاه النفسي. لكن هناك حالات تتزعزع فيها هذه الركائز، بحيث يواجه الشخص صعوبة شديدة في ضبط عواطفه، ويعيش تقلبات حادة في المزاج، ويعاني من علاقات متقلبة وقد ينخرط في سلوكيات مدمّرة. هذا النمط المزمن من الصعوبات قد يندرج تحت اضطراب يُعرف بـ اضطراب الشخصية الحدية.
اضطراب الشخصية الحدية ليس مجرد اضطراب مزاجي عابر أو أزمة عاطفية عابرة، بل هو حالة معقدة تستمر لسنوات، وتؤثر على جودة الحياة والعلاقات والوظيفة اليومية. في هذا المقال، سنقدّم لك شرحًا مفصّلًا عن ماهية هذا الاضطراب، علاماته، أسبابه، أنواعه، كيف يُشخّص، طرق علاجه، والاستراتيجيات التي قد تساعد في التعايش والوقاية. هدفنا: أن تمنح نفسك أو غيرك فهماً دقيقًا يمكن أن يساعد في التعرف المبكر والتوجه نحو الدعم والعلاج المناسب.
مفهوم اضطراب الشخصية الحدية
اضطراب الشخصية الحدية هو اضطراب نفسي يُصنّف ضمن اضطرابات الشخصية، يتميز بأنماط طويلة الأمد من العواطف غير المستقرة، علاقات بينية مضطربة، انعدام استقرار الهوية الذاتية، وسلوكيات اندفاعية قد تكون مضرة.
في هذا الاضطراب، يعيش الشخص صراعًا داخليًا بين الحاجة القوية للتواصل والارتباط وبين الخوف الشديد من الهجر أو الرفض، وقد يتأرجح بين المبالغة في الاعتماد على الآخر ومن ثم الرفض أو الانسحاب. يُظهر المصاب أيضًا نزعة إلى رؤية “الأشياء أو الأشخاص” بالأبيض أو الأسود، أي المثالية المطلقة أو الإذلال المطلق، دون قدر جيد من التدرّج أو الشكّ.
يُعدّ اضطراب الشخصية الحدية من الاضطرابات التي تبدأ في مرحلة المراهقة أو أوائل البلوغ، وقد تستمر إلى مرحلة العمر الراشد، لكن مع العلاج المناسب يمكن أن تتحسّن الأعراض وتقل حدتها مع الوقت.
بجانب ذلك، يُعتبر هذا الاضطراب مرنًا من الناحية العلاجية: بمعنى أنه ليس “عقوبة ثابتة” — فبفضل التداخل العلاجي والدعم يمكن للشخص أن يحقّق تحسّنًا كبيرًا في الحياة والعلاقات.
أعراض اضطراب الشخصية الحدية
غالبًا ما يتسم الشخص المصاب بشعور مزمن بالفراغ الداخلي، وكأن الحياة بلا جوهر أو مغزى ثابت. هذا الشعور قد يدفعه إلى التملّص من العزلة بطرق قد تكون مضرة، كممارسة سلوكيات خطرة أو الاندفاع في علاقات غير مستقرة. العلاقات مع الآخرين غالباً ما تتأرجح بين التبجيل المفرط (أي جعل الشخص الآخر مثاليًا) ثم الإحباط الشديد أو الانتقاد الشديد، بسبب شعور بأن الآخر “خداع” أو “غير موثوق”.
يميل المصاب إلى تخوف عميق من الهجر أو الرفض، حتى في المواقف التي لا تستدعي ذلك، وقد يبدي جهداً يائسًا لمنع الانفصال الحقيقي أو المتخيّل. عند الشعور بأن العلاقة مهددة أو بأن الآخر قد يبتعد، قد يُظهر ردود فعل درامية أو عاطفية جارفة.
من الناحية العاطفية، تحدث تقلبات حادة في المزاج: قد يشعر الشخص بالسعادة والارتياح لفترات قصيرة، ثم تنتابه مشاعر من الحزن أو الغضب أو القلق فجأة، لتتبدّل الحالة النفسية بسرعة. هذه التقلبات قد تُثار بفعل مواقف عاطفية بسيطة أو تتعلق بالتفاعل مع الآخرين.
في بعض الأحيان، قد يعاني الفرد من أعراض مؤقتة مثل الشكوك أو الأفكار البارانوية الخفيفة (مثل الاعتقاد بأن الآخر يخون أو أنه ملاحَظ بشكل سلبي)، أو من انفصال نفسي مؤقت (Dissociation) في مواقف ضغط عالٍ، بحيث يشعر ببعض الانفصال عن الذات أو الواقع المحيط.
السلوك الاندفاعي شائع للغاية، ويتجلى في إنفاق مفرط، سلوك جنسي خطير، تعاطي المخدرات أو الكحول، قيادة متهورة، أو الإفراط في تناول الطعام أو الأنشطة المضرة الأخرى. كما أن السلوكيات المؤذية للذات شائعة، مثل الجروح الذاتية أو تهديدات الانتحار أو المحاولات الفعلية، خاصة في فترات الأزمات العاطفية الشديدة.
غالبًا ما يصاحب هذا الاضطراب صعوبات في ضبط الغضب: قد ينفجر الشخص بنوبات غضب مفرطة أو مليئة بالإساءة اللفظية أو الجسدية، رغم أن الموقف قد لا يبرّر هذا العنف العاطفي. كما قد يعاني من شعور بالذنب الشديد أو العجز، وقد يواجه صعوبة في تحديد هوية واضحة وثابتة: فقد يُغيّر هدفه المهني أو القيمي أو اهتماماته بشكل متكرر، أو قد يشعر بعدم اليقين بشأن الصورة الذاتية.
كل هذه الأعراض مجتمعة تؤدي إلى تآكل في القدرة على العمل أو الدراسة أو إقامة علاقات مستقرة، وإلى معاناة نفسية كبيرة.
أسباب اضطراب الشخصية الحدية
فيما يلي قائمة بأهم العوامل التي يُعتقد أنها تساهم في ظهور اضطراب الشخصية الحدية:
- تاريخ من الإساءة أو الإهمال العاطفي أو الجسدي أو الجنسي في الطفولة
- صدمات الطفولة المبكرة، أو فقدان الشخص الحاضن
- أنماط تربية مُتقلبة أو عدم اتساق في العناية الأبوية
- ضعف المهارات في التنظيم العاطفي منذ الصغر
- استعداد جيني أو عامل وراثي في تنظيم العواطف أو حساسية الجهاز العصبي
- خلل في بيئة العائلة أو نماذج علاقات عاطفية مضطربة
- اضطرابات نفسية أخرى مصاحبة (مثل الاكتئاب، القلق، اضطرابات الأكل، اضطرابات تعاطي المواد)
- خصائص بيولوجية مثل خلل في الشبكات الدماغية التي تنظّم الانفعالات والتحكّم في الاندفاع
- نقص المهارات في ضبط التوتر أو التعامل مع الضغوط العاطفية
هذه العوامل ليست سببًا واحدًا بمفرده، بل تعمل غالبًا معًا — الجيني والنفسي والبيئي — لتشكيل عرضة أكبر لاضطراب الشخصية الحدية في بعض الأشخاص.
أنواع اضطراب الشخصية الحدية
عادة لا يُقسّم اضطراب الشخصية الحدية إلى “أنواع” ثابتة كما في بعض الاضطرابات الأخرى، لكن في الأدبيات النفسية يمكن تمييز أنماط أو مظاهر متعددة يمكن أن تشكّل نوعًا من التصنيف الداخلي. إليك بعض الأنماط أو المظاهر المميزة، في شكل نقاط:
- النمط العاطفي المهيمن: حيث تطغى تقلبات المزاج وسرعة التهيّج والتحسس العاطفي
- النمط الاندفاعي: حيث تكون السلوكيات الاندفاعية أو المضرة للذات هي السمة الأبرز
- النمط العدواني / العدائي: حيث يظهر الشخص ميلًا إلى التصادم والغضب الشديد
- النمط العدم الاستقرار / التشكيكي: قد يكون هناك نزعة إلى الشك أو العزل أو الانسحاب، أو مزج بين عدم الثقة والتقلبات العاطفية
- النمط المتحوّل أو المختلط: حيث لا يكون نمط واحد طاغيًا، بل تتداخل عدة مظاهر في الشخص الواحد
- النمط البادئ في المراهقة مقابل النمط المتأخّر في البلوغ: قد يظهر بعض الأفراد بخصائص قياسية مبكرة في المراهقة، بينما يتأخر ظهور الأعراض في آخرين إلى سن البلوغ
التمييز بين هذه الأنماط يساعد في تكييف الاستراتيجية العلاجية بناءً على ما هو الأكثر بروزًا في حالة كل فرد.
مقال ذو صلة: اضطراب الشخصية الانفصامية: مهفومه وأسبابه
طرق تشخيص اضطراب الشخصية الحدية
عندما نأتي إلى تشخيص اضطراب الشخصية الحدية، يكون الأمر معقّدًا بعض الشيء لأنه يعتمد على التقييم النفسي السريرـي الشامل، وليس فحصًا مخبرًا محددًا. في العادة، يعتمد الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي على مقابلات معيارية وتطبيق معايير محددة مثل تلك الموجودة في الدليل التشخيصي والإحصائي (DSM).
يقوم المعالج بجمع التاريخ المرضي الكامل، ملاحظة الأنماط العاطفية والسلوكية، العلاقات العاطفية، السلوكيات المدمّرة للذات، وأماكن تكرار الأزمات. كما يسأل عن أعراض الاندفاع، الهروب الذاتي، تفكك الهوية أو الانفصال النفسي المؤقت. يُطلب من المريض وصف نمط حياته، وذكرياته المتعلقة بالطفولة أو الصدمات العاطفية أو علاقاته المبكرة.
من الأدوات المُساعدة: مقاييس التقييم النفسي مثل مقياس Zanarini Rating Scale for Borderline Personality Disorder التي تقيس شدة الأعراض عبر فترة معينة، أو مقياس McLean Screening Instrument for BPD الذي يُعد أداة غربلة أولية.
من المهم أن يتم التشخيص بعد فترة متابعة، وليس بناءً فقط على لقاء واحد، لأن بعض الأعراض (كالانفصال المؤقت أو الغضب الحاد) قد تظهر في اضطرابات أخرى أيضًا. يجب أيضًا استبعاد أو تشخيص الحالات النفسية المرافقة (مثل الاضطراب ثنائي القطب، الاكتئاب الشديد، اضطرابات القلق، اضطرابات ما بعد الصدمة) لأنها قد تتداخل في العرض.
كما يُراعى أن يكون التشخيص ناجمًا عن نمط ثابت طويل الأمد يتجاوز تغيرات الحياة أو الأزمات العارضة، بحيث يظهر منذ المراهقة أو أوائل البلوغ، ويتسبّب في ضرر أو ضعف في الوظيفة اليومية (العمل، العلاقات، الذات).
طرق علاج اضطراب الشخصية الحدية
فيما يلي قائمة بالاستراتيجيات العلاجية المعترف بها والداعمة لحالات اضطراب الشخصية الحدية:
- العلاج النفسي المعتمِد على الدليل (Evidence‑based psychotherapies)
- العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy – DBT)
- العلاج المعرفيّ الجدلي أو المعرفي – السلوكي المعدل (Cognitive Behavioral Therapy – CBT المعدل لحالات BPD)
- العلاج القائم على التأمل الذهني (Mindfulness-based approaches)
- العلاج بالتركيز على التصوّر العقلي (Mentalization-Based Treatment – MBT)
- العلاج بالتركيز على الانتقال (Transference-Focused Psychotherapy – TFP)
- العلاج المعتمد على المخططات (Schema Therapy)
- العلاج النفسي الديناميكي التقليدي أو الموجّه
- العلاج الأسري أو الزواجي أو إشراك المحيط العائلي
- التدخّل في الأزمات (Crisis intervention) عند وجود أفكار انتحارية أو سلوك مؤذٍ
- الأدوية المساندة لعلاج الأعراض المرافقة (مثل مضادات الاكتئاب، مضادات الذهان، مثبتات المزاج)
- متابعة طبية نفسية منتظمة، وتنسيق بين المعالجين (طبيب نفسي، معالج سلوكي، مستشار)
- برامج إعادة التأهيل النفسي الاجتماعي، ودعم مهارات الحياة اليومية
- التعليم النفسي للمريض وأسرته أو من حوله حول طبيعة الاضطراب وكيفية التعامل معه
- مراقبة السلوكيات الخاطئة أو المدمّرة للذات ووضع خطط بديلة للحد منها
- تعزيز التزام المريض بالخطة العلاجية وبناء علاقة الثقة بين المعالج والمريض
من الأهمية بمكان أن يُصمم العلاج ليكون تدريجيًا، وبعلاقة علاجية مستقرة، لأن الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الحدية غالبًا ما يميلون إلى اختبار المعالج أو تغييره باستمرار. وتشير الأدلة إلى أن العلاجات النفسية — خاصة DBT، وMBT، وTFP، والعلاج بالمخططات — تحقق نتائج معتدلة إلى قوية في خفض شدة الأعراض وتحسين الأداء النفسي والاجتماعي.
كما أن استخدام الأدوية لا يُعتبر علاجًا أساسيًا لاضطراب الشخصية الحدية، بل يُستخدم ك تدخّل مؤقت للتعامل مع الأعراض المصاحبة (كالاكتئاب، القلق، الذُهان العابِر) فقط عند الضرورة.
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الحدية
من الناحية العملية، لا يوجد ضمان مطلق لمنع ظهور اضطراب الشخصية الحدية، خصوصًا إذا كانت العوامل الوراثية أو الصدمات مبكرة متجذّرة. لكن يمكن اتباع بعض المداخل التي قد تساعد في التقليل من الخطر أو التخفيف من تطور الأعراض:
من المفيد أن يكون هناك وعي أو مراقبة من المربين والآباء لأطفال مراهقين عند ملاحظة نمط عاطفي متقلب أو علاقات صعبة أو ميل إلى التصادمات العاطفية. الدعم النفسي المبكر لهؤلاء الأفراد، وتعليم مهارات التنظيم العاطفي والتواصل الفاعل، يمكن أن يخفّف من تدهور الشخصية في المراهقة.
تعزيز بيئة أسرية مستقرة متسقة، تعلم الاستجابة العاطفية الآمنة، وعدم استخدام العقاب أو التهميش عندما يُظهر المراهق انفعالات قوية، بل توفير الاستماع والتوجيه، كلها ممارسات قد تُحسّن من فرص النمو النفسي السليم.
كما أن برامج الصحة النفسية المدرسية أو المجتمعية التي تُعلّم مهارات التكيف النفسي، التأقلم مع الضغوط، التواصل بين الأقران، وتقوية المهارات الاجتماعية، قد تساهم في تقليل احتمالية ظهور أنماط شخصية مدمّرة أو اضطرابات في العلاقات العاطفية.
في حال وجود الأبوين من ذوي اضطرابات نفسية أو الذين يعانون من صعوبات عاطفية كبيرة، قد يكون من الحكمة توفير دعم نفسي لهم أو برامج وقائية أسرية لتحسين التفاعل العاطفي داخل الأسرة.
أخيرًا، تشجيع تفسير التجارب الصادمة أو الضغط العاطفي بطريقة صحية ومرافقة علاجية في المراحل المبكرة قبل أن تغوص العواطف في نمط مزمن هو أساس جيد في منع الأعراض من التثبّت.
في الختام
إذا كنت تمرّ بتقلبات عاطفية شديدة، تشعر بأنك تنهار فجأة عاطفيًا أو أنك تُجرب زخمًا من الارتباط ثم الخوف من الهجر أو الرفض، فقد تكون هذه إشارات تدل على اضطراب الشخصية الحدية. لا تنتظر حتى تتفاقم الصراعات النفسية — التدخّل العلاجي المبكر يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في مسار الحياة.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Borderline Personality Disorder (BPD): Symptoms & Treatment
Borderline personality disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Overview – Borderline personality disorder – NHS
Borderline Personality Disorder – National Institute of Mental Health (NIMH)


[…] مقال ذو صلة: اضطراب الشخصية الحدية: مفهومه، أعراضه وأسبابه […]