اضطراب الشخصية الانفصامية: مهفومه وأسبابه
الفهرس
- مفهوم اضطراب الشخصية الانفصامية
- أعراض اضطراب الشخصية الانفصامية
- وجود شخصيات متعددة (هويات بديلة)
- فقدان الذاكرة المتكرر (الانفصال الذهني)
- اضطرابات في الإدراك والوعي
- الأعراض النفسية المصاحبة
- أعراض جسدية بدون تفسير طبي واضح
- أسباب اضطراب الشخصية الانفصامية
- الصدمات النفسية في الطفولة
- الآثار الناتجة عن اضطراب الشخصية الانفصامية
- طرق تشخيص اضطراب الشخصية الانفصامية
- طرق علاج اضطراب الشخصية الانفصامية
- طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الانفصامية
- المصادر المستعملة لكتابة المقال
- منظمات دولية وهيئات طبية
- مصادر أكاديمية وطبية
- مقالات ومصادر متعمقة
اضطراب الشخصية الانفصامية (Dissociative Identity Disorder – DID)، المعروف سابقًا باسم اضطراب الشخصية المتعددة، هو حالة نفسية معقدة ومثيرة للجدل تتميز بوجود هويات متعددة أو شخصيات منفصلة داخل نفس الفرد. لكل شخصية منها وجود مستقل نسبياً، قد تختلف في السن، الجنس، السلوك، وحتى الذاكرة والتصورات. ينشأ هذا الاضطراب عادةً نتيجة تجارب صادمة شديدة، وغالبًا ما تبدأ أعراضه في مرحلة الطفولة، وتتطور على مدى سنوات.
يُعد اضطراب الشخصية الانفصامية من الاضطرابات النادرة نسبيًا، ولكن تأثيره على المصاب يكون عميقًا ومتعدد الأبعاد، حيث يمتد ليشمل الصحة النفسية، الاجتماعية، والعائلية. وبسبب الطبيعة المعقدة لهذا الاضطراب، يحتاج المرضى إلى تشخيص دقيق وعلاج متكامل وطويل الأمد.
مفهوم اضطراب الشخصية الانفصامية
اضطراب الشخصية الانفصامية هو أحد اضطرابات الانفصال النفسي التي تتميز بتجزئة الهوية، بحيث تظهر لدى الفرد أكثر من “شخصية” أو هوية مستقلة، كل منها يمكن أن تتحكم في سلوك المصاب بشكل منفصل. هذا الانفصال في الهوية يأتي كآلية دفاع نفسي عميقة جداً تستخدمها الدماغ للحماية من الألم النفسي الناجم عن الصدمات الشديدة التي تعرض لها الفرد.
الشخصيات المتعددة تختلف ليس فقط في السلوك، بل أيضًا في طريقة التفكير، التذكر، وحتى ردود الفعل الجسدية، مثل الحساسية تجاه الألم أو اضطرابات النوم. بعض هذه الهويات قد تكون واعية لبعضها البعض، بينما قد تكون أخرى غائبة تمامًا عن وجود بعضها.
هذه الحالة ليست مجرد تمثيل أو تظاهر، بل هي اضطراب نفسي حقيقي يتميز بفقدان السيطرة على الذات وشعور عميق بالانفصال، والذي يسبب معاناة كبيرة.
أعراض اضطراب الشخصية الانفصامية
تظهر أعراض اضطراب الشخصية الانفصامية على عدة مستويات تشمل الهوية، الذاكرة، الإدراك، والعواطف، ومن أهم هذه الأعراض:
-
وجود شخصيات متعددة (هويات بديلة)
يُعتبر وجود شخصيتين أو أكثر داخل نفس الفرد أبرز أعراض الاضطراب، حيث:
- لكل شخصية نمط مميز في التفكير، الشعور، والسلوك.
- تختلف الشخصيات في أعمارها، جنسها، وحتى في اللغة واللهجة التي تستخدمها.
- تنتقل السيطرة بين الشخصيات بشكل غير إرادي، مما قد يجعل الفرد يختبر فجوات في وعيه أو ذكرياته.
- الشخصيات قد تظهر بشكل متتالٍ أو تتداخل أحيانًا.
-
فقدان الذاكرة المتكرر (الانفصال الذهني)
يترافق الاضطراب غالبًا بفقدان الذاكرة الحاد أو الجزئي، حيث:
- لا يتذكر الفرد أحداثًا أو أفعالًا قام بها في فترات زمنية محددة.
- قد يُفاجأ المريض بتصرفات أو مواقف لا يذكر كيف حصلت.
- يظهر نسيان للأسماء، الأماكن، أو تفاصيل حياتية مهمة.
-
اضطرابات في الإدراك والوعي
يشعر المصاب أحيانًا بأنه منفصل عن جسده أو أفكاره، وهذا ما يُعرف بـ:
- الديبرسوناليزيشن: شعور بالانفصال عن الذات أو عدم الانتماء إلى الجسد.
- الديراليزيشن: شعور بأن العالم من حوله غير حقيقي أو كأنه حلم.
-
الأعراض النفسية المصاحبة
- الاكتئاب المزمن.
- اضطرابات القلق، مثل نوبات الهلع.
- تقلبات المزاج الحادة.
- أفكار وسلوكيات انتحارية في بعض الحالات.
-
أعراض جسدية بدون تفسير طبي واضح
- آلام مزمنة.
- اضطرابات في الجهاز الهضمي.
- صداع مستمر.
- اضطرابات النوم مثل الأرق أو الكوابيس المتكررة.
أسباب اضطراب الشخصية الانفصامية
يعتبر اضطراب الشخصية الانفصامية نتيجة لتفاعل معقد بين عوامل متعددة، تشمل:
-
الصدمات النفسية في الطفولة
تعتبر الصدمات النفسية، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة، السبب الرئيسي والمعروف لحدوث الاضطراب. تشمل هذه الصدمات:
- الاعتداء الجنسي أو الجسدي المتكرر.
- الإهمال العاطفي الحاد.
- التعرض لعنف منزلي أو بيئة أسرية مضطربة.
- تجارب فقدان أو انفصال مفاجئ عن الوالدين.
هذه الصدمات تخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا لا يستطيع الطفل التعامل معه بوعي، فيلجأ عقله إلى فصل الذات لتجنب الألم.
- العوامل النفسية: تظهر قدرة الفرد على الانفصال النفسي كآلية دفاعية على شكل اضطرابات في الوعي والذاكرة، حيث يمكن للعقل أن “يفصل” ذكريات الصدمة لتقليل التوتر النفسي.
- العوامل البيولوجية: تشير بعض الدراسات إلى أن هناك اختلافات في بعض مناطق الدماغ التي تتحكم في الذاكرة والهوية الذاتية بين المصابين وغيرهم. كما أن عوامل وراثية قد تلعب دورًا في زيادة احتمالية الإصابة.
- العوامل الاجتماعية والثقافية: بيئة الدعم الاجتماعي، الثقافة، والوعي النفسي قد تؤثر على ظهور وتطور الاضطراب، حيث قد تلعب هذه العوامل دورًا في تعزيز الصمود النفسي أو العكس.
الآثار الناتجة عن اضطراب الشخصية الانفصامية
اضطراب الشخصية الانفصامية له تأثيرات عميقة ومتشعبة على حياة الفرد، تشمل النواحي النفسية والاجتماعية والمهنية، وقد تمتد لتشكل خطرًا على السلامة الشخصية.
من أبرز هذه التأثيرات المشاكل النفسية المزمنة، حيث يُعاني المصابون غالبًا من الاكتئاب والقلق نتيجة التوتر المستمر والتشوش الذهني الناتج عن تبدّل الشخصيات أو فقدان الذاكرة، مما يزيد من معاناتهم النفسية.
كذلك، يتجه الكثير من المصابين إلى العزلة الاجتماعية، نتيجة الخجل، أو الخوف من أحكام الآخرين، أو بسبب التغيرات غير المتوقعة في سلوكهم التي قد تزعج من حولهم أو تُثير القلق.
أما على الصعيد المهني أو الأكاديمي، فإن ضعف التركيز وفقدان الذاكرة يُضعف القدرة على الأداء والاستمرار في الدراسة أو العمل بشكل طبيعي.
ويواجه البعض صراعات عائلية، حيث قد تجد الأسرة صعوبة في فهم سلوكيات المريض، أو التعامل مع تغيراته المتكررة، مما يؤدي إلى توتر العلاقات وغياب الدعم العاطفي.
وفي بعض الحالات، قد تظهر مشاكل قانونية أو سلوكية نتيجة تصرفات غير مقبولة اجتماعيًا تصدر عن إحدى الشخصيات دون وعي الشخص الكامل بما حدث، مما يورّطه في مواقف معقدة.
ومن أخطر التأثيرات هو ازدياد خطر السلوكيات المؤذية للنفس، مثل إيذاء الذات أو التفكير بالانتحار، خاصة في حال غياب التشخيص والدعم العلاجي المناسب.
كل هذه التأثيرات تجعل من الضروري التعامل مع الاضطراب بجدية، من خلال تدخل نفسي متخصص، ودعم اجتماعي وأسري متواصل.
طرق تشخيص اضطراب الشخصية الانفصامية
يُعد التشخيص الدقيق لاضطراب الهوية التفارقي (أو اضطرابات الانفصال عمومًا) خطوة حيوية لضمان تقديم العلاج المناسب والدعم النفسي الفعّال. يعتمد التشخيص على منهج متكامل يجمع بين التقييم النفسي العميق والفحوصات الطبية لاستبعاد الأسباب الأخرى.
تبدأ العملية بـ الفحص السريري وجمع التاريخ النفسي، حيث يُجري الطبيب أو الأخصائي مقابلة معمقة مع المريض لتقييم السلوكيات، التغيرات في الشخصية، وفقدان الذاكرة. كما يتم الاستعانة بمعلومات من الأسرة أو المقربين للحصول على صورة أوضح عن التغيرات التي قد لا يلاحظها المريض بنفسه. يُركّز التقييم بشكل خاص على وجود شخصيات متعددة أو فجوات غير مبررة في الذاكرة.
بعد ذلك، تُستخدم أدوات تقييم نفسية متخصصة، مثل مقياس اضطراب الانفصال (Dissociative Experiences Scale – DES)، لمساعدة المختصين في قياس شدة الأعراض وتحديد نمط الانفصال.
جزء أساسي من التشخيص هو استبعاد الاضطرابات النفسية الأخرى التي قد تتشابه في الأعراض، مثل الفصام أو اضطرابات المزاج. ويتم ذلك من خلال تقييم شامل للحالة العقلية والعاطفية.
وأخيرًا، يتم استبعاد الأسباب العضوية عبر إجراء فحوصات طبية مثل تحاليل الدم أو التصوير بالرنين المغناطيسي، وذلك للتأكد من أن الأعراض ليست ناتجة عن مشاكل جسدية أو عصبية، مثل أورام الدماغ أو إصابات في الجهاز العصبي. بهذا النهج الشامل، يمكن الوصول إلى تشخيص دقيق يساعد في بناء خطة علاجية فعالة ومناسبة لكل حالة على حدة.
طرق علاج اضطراب الشخصية الانفصامية
العلاج يحتاج إلى منهج شامل ومتعدد الأوجه:
- العلاج النفسي
العلاج الديناميكي: يركز على فهم الصدمات وتأثيرها في بناء الهوية.
العلاج السلوكي المعرفي: يساعد في تعديل الأفكار السلبية وتحسين التحكم في السلوك.
العلاج بالتكامل الهوية: يهدف إلى دمج الشخصيات المختلفة لتصبح شخصية واحدة متماسكة.
العلاج بالتعرض: التعامل مع ذكريات الصدمة بطريقة آمنة.
العلاج الجماعي أو الأسري: لتقديم الدعم وتعزيز فهم الأسرة.
- العلاج الدوائي: لا يوجد دواء خاص بـ DID، لكن تُستخدم أدوية لعلاج الأعراض المصاحبة مثل مضادات الاكتئاب أو القلق.
- الدعم الاجتماعي والأسري
تعليم الأسرة كيفية التعامل مع المرض.
توفير بيئة مستقرة وداعمة.
- الاستراتيجيات الوقائية
تعليم مهارات التكيف النفسي.
تقليل عوامل التوتر والضغط النفسي.
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الانفصامية
رغم أن الوقاية الكاملة من اضطرابات الانفصال أو الاضطرابات النفسية المرتبطة بالصدمات قد لا تكون ممكنة دائمًا، فإن هناك خطوات فعّالة يمكن أن تحد من تأثيرها وتقلل من احتمالية تطورها.
من أهم هذه الخطوات توفير بيئة آمنة ومحبة للأطفال، حيث تلعب الحماية من الصدمات النفسية والبدنية دورًا محوريًا في بناء شعور بالأمان والاستقرار العاطفي. كما يُعد التدخل المبكر أمرًا ضروريًا عند ملاحظة أي تغيّرات واضحة في سلوك الطفل أو ظهور علامات الانسحاب، القلق، أو الانفصال عن الواقع.
إلى جانب ذلك، تسهم التوعية المجتمعية في كسر حاجز الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتفتح الباب أمام طلب المساعدة والدعم دون خجل. كما يُستحسن تعزيز مهارات المواجهة والتكيف لدى الأطفال والمراهقين، من خلال تعليمهم كيفية التعامل مع الضغوط النفسية، والتعبير عن مشاعرهم بطريقة صحية، مما يساعدهم على بناء مرونة نفسية تحميهم في المستقبل.
في الختام
اضطراب الشخصية الانفصامية هو اضطراب نفسي معقد يعكس قدرة العقل على حماية الذات من الصدمات النفسية العميقة من خلال الانفصال والتجزئة. بالرغم من تحدياته، فإن التشخيص المبكر والعلاج النفسي المتخصص والدعم الأسري والاجتماعي يشكلون الركائز الأساسية لتحسين حياة المصابين.
يتطلب التعامل مع هذا الاضطراب فهماً دقيقاً ورفقاً بالغاً، إذ أن المرضى يعيشون صراعات داخلية مستمرة بين شخصياتهم المتعددة. من خلال نشر الوعي ورفع مستوى الدعم النفسي، يمكن تقديم حياة أكثر استقرارًا وسعادة لهؤلاء الأفراد، وتعزيز اندماجهم في المجتمع.
إذا شعرت أنت أو أحد أحبائك يعاني من أعراض مشابهة، لا تتردد في طلب المساعدة من أخصائي نفسي مؤهل، فالتدخل المبكر هو أفضل سبيل لتحقيق الشفاء والتحسن.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Dissociative Identity Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Dissociative Identity Disorder: A Controversial Diagnosis – PMC
مصادر أكاديمية وطبية
Psychiatry.org – What Are Dissociative Disorders?
DID Explained: Symptoms, Causes, and Support
مقالات ومصادر متعمقة
Dissociative Identity Disorder – Psychiatric Disorders – MSD Manual Professional Edition
Dissociative Identity Disorder (Multiple Personality Disorder): Signs, Symptoms, Treatment

