اضطراب التوتر الحاد: أعراضه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
يُعد اضطراب التوتر الحاد أحد الاضطرابات النفسية التي تظهر بشكل مفاجئ بعد التعرض لحدث صادم أو مرهق يفوق قدرة الفرد على التحمل. يتميز هذا الاضطراب بأنه يظهر خلال فترة زمنية قصيرة بعد التعرض للصدمة، وغالبًا ما يستمر لأيام أو أسابيع قليلة. ورغم أنه اضطراب مؤقت مقارنة باضطراب ما بعد الصدمة، إلا أنه قد يتحول إليه إذا لم تتم معالجته بالشكل الصحيح.
في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط النفسية والأحداث الصادمة، أصبح فهم اضطراب التوتر الحاد ضرورة للباحثين والمهتمين بالصحة النفسية، وللأشخاص الذين يسعون لفهم ما يمرون به أو لمساعدة شخص قريب منهم. فالتعرف على أعراض الاضطراب، أسبابه، وطرق علاجه يسهم في تجنب المضاعفات واستعادة التوازن النفسي بسرعة أكبر.
مفهوم اضطراب التوتر الحاد
اضطراب التوتر الحاد هو حالة نفسية تظهر بعد فترة قصيرة من التعرض لحدث صادم، مثل حادث سير، اعتداء، كارثة طبيعية، فقدان مفاجئ، أو أي موقف يهدد سلامة الفرد النفسية أو الجسدية. يُعد هذا الاضطراب استجابة طبيعية لكن مبالغًا فيها للصدمة، ويتميز بمجموعة من الأعراض التي تشمل التوتر الشديد، الانفصال النفسي، فقدان الإحساس بالواقع، وصعوبات التركيز والنوم.
يظهر هذا الاضطراب عادة في غضون ساعات إلى أيام قليلة بعد الحدث، ويستمر لمدة تتراوح بين يوم واحد إلى شهر واحد. وقد يترافق مع تغيرات عاطفية وسلوكية وفسيولوجية واضحة، نتيجة الارتفاع المفاجئ في هرمونات التوتر ومحاولة الدماغ التعامل مع الوضع الحاد.
يمتاز هذا الاضطراب بأنه يمكن أن يصيب أي شخص، بغض النظر عن العمر أو الخلفية أو مستوى التحمل النفسي. فالاستجابة للصدمة تختلف من فرد لآخر، وقد تظهر عند أشخاص يتمتعون بقدرة عالية على التكيف عادة، إذا كانت الصدمة تفوق قدرتهم اللحظية على الاستيعاب. وبسبب ذلك، يتطلب الأمر فهمًا دقيقًا لطبيعة الاضطراب للتعامل معه بوعي وفعالية.
أعراض اضطراب التوتر الحاد
تتعدد أعراض اضطراب التوتر الحاد وتختلف في شدتها من شخص لآخر، لكنها غالبًا ما تظهر على شكل خليط من الأعراض النفسية والجسدية والمعرفية. في الأيام التي تلي الحدث الصادم، يجد المصاب نفسه غير قادر على التحكم في ردود فعله، وكأنه يعيش حالة طوارئ نفسية مستمرة. يشعر الشخص بتوتر شديد وقلق يسيطر عليه، وقد يواجه صعوبة في التركيز أو التفكير بوضوح بسبب انشغاله العقلي بالصدمة.
من أبرز الأعراض الشعور بالانفصال عن الذات أو الواقع، وهي حالة يعرفها المتخصصون باسم “التغريب عن الواقع” أو “التبدد”. يشعر المريض وكأنه يشاهد نفسه من الخارج أو كأن الأحداث لا تبدو حقيقية. ويمكن أن يصاحب ذلك فقدان الذاكرة المؤقت للأحداث المتعلقة بالصدمة.
كما يعاني كثير من المصابين من ذكريات ملحة ومزعجة تتكرر بشكل مفاجئ، سواء على شكل صور ذهنية أو مشاهد متكررة أو كوابيس ليلية، مما يزيد من اضطرابات النوم والخوف. وقد تظهر لديهم نوبات هلع تشمل خفقان القلب والتعرق وصعوبة التنفس.
على المستوى الجسدي، يشعر المصاب بتوتر عضلي مستمر، إرهاق شديد، واضطرابات في الشهية والهضم. أما على المستوى السلوكي، فقد يتجنب المصاب المواقف أو الأماكن التي تذكره بالصدمة، ويميل إلى العزلة والانطواء، وقد يصبح شديد الحساسية تجاه الأصوات أو المواقف البسيطة، نتيجة حالة اليقظة المفرطة التي يعيشها.
هذه الأعراض مجتمعة تجعل الحياة اليومية تحديًا كبيرًا للمصاب، وتؤثر في قدرته على العمل، التواصل، وحتى القيام بالأنشطة الروتينية، مما يتطلب التدخل المبكر لتقليل المعاناة ومنع تطور الحالة.
أسباب اضطراب التوتر الحاد
- التعرض لحدث صادم مباشر مثل الحوادث، الاعتداءات، الكوارث الطبيعية، أو مشاهدة حدث مرعب.
- ضعف القدرة على التكيف اللحظي مع الأحداث الطارئة أو غير المتوقعة.
- تاريخ سابق من الصدمات النفسية مما يزيد الحساسية تجاه الضغوط الجديدة.
- العوامل الوراثية المرتبطة بالقلق والتوتر والاستجابة الانفعالية.
- اختلال في النواقل العصبية مثل النورأدرينالين والكورتيزول أثناء التوتر.
- الدعم الاجتماعي الضعيف بعد التعرض للصدمة، مما يزيد حدة رد الفعل.
- الاضطرابات النفسية السابقة مثل القلق العام، الاكتئاب، أو اضطرابات الشخصية.
- استجابات جسدية قوية للضغط تجعل الفرد أكثر قابلية للانهيار تحت التوتر.
- الصدمة غير المتوقعة أو المفاجئة التي تزيد من عمق التأثير الحاد على النفس.
أنواع اضطراب التوتر الحاد
- اضطراب التوتر الحاد الناتج عن صدمة فردية مثل حادث سيارة أو اعتداء.
- اضطراب التوتر الحاد الناتج عن صدمة جماعية كالكوارث الطبيعية أو الحروب.
- اضطراب التوتر الحاد ذو الأعراض الانفصالية حيث يسود الشعور باللاواقعية والانفصال عن الذات.
- اضطراب التوتر الحاد ذو الأعراض الجسدية وتغلب عليه نوبات الهلع والأعراض الفسيولوجية.
- اضطراب التوتر الحاد المصحوب بقلق شديد ويميل إلى التطور إلى اضطراب ما بعد الصدمة.
- اضطراب التوتر الحاد لدى الأطفال ويظهر من خلال التوتر، الصراخ، التبول اللاإرادي، وتجنب اللعب.
طرق تشخيص اضطراب التوتر الحاد
يعتمد تشخيص اضطراب التوتر الحاد على تقييم شامل يقوم به مختص في الصحة النفسية، ويبدأ عادة بجمع معلومات دقيقة حول الحدث الصادم الذي تعرض له المريض، توقيت ظهور الأعراض، ومدى تأثيرها على حياته. يشترط لبدء التشخيص أن تظهر الأعراض خلال الفترة الزمنية القصيرة بعد الحدث، وألا تتجاوز مدة الاضطراب الشهر الواحد.
يُجري المختص مقابلات سريرية منظمة لتحديد وجود أعراض الانفصال النفسي، التوتر الشديد، الذكريات المتكررة، وتجنب المثيرات المتعلقة بالصدمة. كما يستخدم أدوات تقييم معيارية معتمدة عالميًا لقياس شدة الاضطراب، مثل مقاييس اضطرابات الصدمة والقلق.
يقوم المختص أيضًا باستبعاد اضطرابات نفسية أخرى قد تظهر بأعراض مشابهة، مثل اضطراب الهلع، اضطرابات القلق العامة، أو اضطراب ما بعد الصدمة. وفي بعض الحالات، يتم إجراء فحوصات طبية للتأكد من عدم وجود أسباب جسدية مثل الخلل الهرموني أو المشاكل العصبية.
التشخيص المبكر أمر بالغ الأهمية، إذ يساعد في بدء العلاج المناسب قبل أن تتفاقم الأعراض أو تتحول إلى اضطراب مزمن. ويُعد التشخيص خطوة حاسمة في رسم خطة علاجية فردية تتناسب مع طبيعة الحالة وشدة تأثيرها.
طرق علاج اضطراب التوتر الحاد
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لمعالجة الأفكار السلبية المرتبطة بالصدمة وتخفيف القلق.
- تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق لتقليل شدة التوتر الفسيولوجي.
- العلاج السلوكي التعرضي لمساعدة المريض على مواجهة المثيرات المرتبطة بالصدمة بشكل تدريجي.
- العلاج الدوائي مثل مضادات القلق أو مضادات الاكتئاب عند الضرورة وتحت إشراف طبي.
- العلاج الداعم الذي يشمل توفير بيئة آمنة ومساندة نفسية للمريض.
- العلاج العائلي خاصة عند الأطفال والمراهقين لتحسين التفاهم والدعم الأسري.
- تقنيات إعادة المعالجة بحركة العين (EMDR) للمساعدة في معالجة الذاكرة الصادمة.
- تنظيم النوم ونمط الحياة لتقليل التوتر الطبيعي المصاحب للحالة.
طرق الوقاية من اضطراب التوتر الحاد
تعتمد الوقاية من اضطراب التوتر الحاد على تعزيز القدرة على التكيف النفسي في مواجهة الضغوط، إلى جانب توفير الدعم السريع بعد التعرض للأحداث الصادمة. تعد التدخلات المبكرة من أهم عوامل الوقاية، إذ يساهم الدعم النفسي الأولي في التخفيف من الصدمة ومنع تراكم التوتر.
كما يُنصح بتعزيز مهارات إدارة التوتر من خلال التدريب على الاسترخاء، الوعي الذاتي، وحل المشكلات. يلعب الدعم الاجتماعي دورًا محوريًا في حماية الفرد، إذ يساعد التواصل مع الأسرة والأصدقاء والمختصين على تخفيف الشعور بالعزلة.
كما أن الاهتمام بالصحة الجسدية عبر النوم الكافي، الرياضة، والتغذية السليمة يسهم في تقوية قدرة الجسم على مواجهة الضغوط. وعند التعرض لحادث أو صدمة، من المهم عدم تجاهل المشاعر أو محاولة إخفائها، بل التعبير عنها بطرق صحية لتجنب تراكمها وتحولها إلى اضطراب حاد.
في الختام
اضطراب التوتر الحاد هو استجابة نفسية طبيعية ولكنها شديدة لحدث صادم يفوق قدرة الفرد على التكيف الفوري. ورغم أنه يُعد اضطرابًا مؤقتًا، إلا أن إهماله قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تمتد إلى اضطرابات طويلة مثل اضطراب ما بعد الصدمة. لذلك، فإن فهم الأعراض والتعرف على أسباب الاضطراب وطرق التعامل معه يعد خطوة أساسية نحو التعافي.
يستفيد الأشخاص المصابون بشكل كبير من التشخيص المبكر والعلاج المناسب، سواء عبر التدخلات النفسية أو السلوكية أو الدوائية. كما تلعب الوقاية والتوعية ومعرفة كيفية التعامل مع التوتر دورًا مهمًا في حماية الفرد من الوقوع في حالات نفسية حادة عند مواجهة الصدمات.
وفي النهاية، فإن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل خطوة واعية نحو استعادة التوازن النفسي، والعودة إلى حياة أكثر استقرارًا وصحة. وكلما كان التدخل أسرع، كانت فرص التعافي أكبر والآثار طويلة المدى أقل.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Acute Stress Disorder (ASD): What It Is, Symptoms & Treatment
Acute Stress Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
مصادر أكاديمية وطبية
Acute Stress Disorder – PTSD: National Center for PTSD
Acute Stress Disorder – Mental Health Disorders – MSD Manual Consumer Version


[…] السلوكي لتقليل التوتر المرتبط بالحركات غير […]
[…] الكآبة، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، إضافة إلى التوتر والانفعال السريع والشعور بالضغط الداخلي. كما قد تظهر […]
[…] متكرر نحو العبث بالجلد، وغالبًا ما يحدث ذلك في أوقات التوتر أو القلق أو الملل، وقد يتم السلوك بوعي كامل أو بشكل شبه […]