اضطراب التنسيق الحركي النمائي: أعراضه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
- مفهوم اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- أعراض اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- أسباب اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- أنواع اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- طرق تشخيص اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- طرق علاج اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- طرق الوقاية من اضطراب التنسيق الحركي النمائي
- المصادر المستعملة لكتابة المقال
- منظمات دولية وهيئات طبية
- مصادر أكاديمية وطبية
- مقالات ومصادر متعمقة
يُعدّ اضطراب التنسيق الحركي النمائي (Developmental Coordination Disorder) من الاضطرابات العصبية النمائية التي تؤثر على قدرة الطفل على تنفيذ الحركات الدقيقة والكبيرة بطريقة منسقة وسلسة. يظهر هذا الاضطراب عادة في السنوات الأولى من الطفولة عندما يلاحظ الأهل أو المعلّمون أنّ الطفل يواجه صعوبة في أداء المهارات الحركية التي يتقنها أقرانه بسهولة، مثل ربط الحذاء، الكتابة، أو الإمساك بالأدوات.
ورغم أنّ الطفل المصاب يتمتّع بقدرات إدراكية طبيعية، إلا أنّ أداءه الحركي يكون أقل من المتوقع لعمره العقلي والزمني. ومع مرور الوقت، قد يؤثر هذا الاضطراب على الجوانب الأكاديمية والاجتماعية والنفسية، مما يجعل التشخيص المبكر والتدخل العلاجي المناسب أمرين حاسمين.
تتناول هذه المقالة مفهوم اضطراب التنسيق الحركي النمائي وأعراضه وأسبابه وأنواعه وطرق تشخيصه وعلاجه ووسائل الوقاية منه، بلغة علمية مبسطة تراعي القارئ الباحث عن الفهم العلمي والطبي الدقيق لهذا الاضطراب.
مفهوم اضطراب التنسيق الحركي النمائي
اضطراب التنسيق الحركي النمائي هو حالة عصبية نمائية تتميز بضعف في القدرة على تخطيط وتنفيذ الحركات الإرادية بشكل منسق، بحيث تكون الحركات بطيئة أو غير دقيقة أو متقطعة، رغم عدم وجود سبب طبي واضح مثل الشلل الدماغي أو التأخر العقلي العام.
يُصنّف هذا الاضطراب ضمن فئة اضطرابات النمو العصبي، إلى جانب اضطرابات مثل اضطراب طيف التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه. وغالبًا ما يُلاحظ خلال السنوات الأولى من التعليم، عندما تبدأ متطلبات المهارات الحركية الدقيقة بالازدياد، مثل استخدام الأقلام والمقصّات أو المشاركة في النشاطات الرياضية.
يُقدّر أن نسبة الإصابة تتراوح بين 5% إلى 6% من الأطفال في سنّ المدرسة، مع انتشار أكبر بين الذكور. ولا يعني الاضطراب أنّ الطفل غير ذكي، بل أنه يحتاج إلى وقت وجهد إضافي لاكتساب المهارات الحركية التي يكتسبها الآخرون تلقائيًا.
أهمية هذا الاضطراب لا تكمن فقط في مشكلته الحركية، بل في أثره النفسي والاجتماعي؛ فالطفل الذي يعاني من ضعف في التنسيق قد يشعر بالإحراج أو الإحباط من صعوبة المشاركة في الألعاب والأنشطة، مما ينعكس سلبًا على ثقته بنفسه وعلى تفاعله مع الآخرين.
أعراض اضطراب التنسيق الحركي النمائي
تختلف أعراض اضطراب التنسيق الحركي النمائي من طفل إلى آخر تبعًا لشدة الحالة ونوع المهارات المتأثرة. ومع ذلك، توجد مجموعة من العلامات المشتركة التي يمكن ملاحظتها في سلوك الطفل اليومي.
في مرحلة الطفولة المبكرة، قد يتأخر الطفل في الجلوس أو الزحف أو المشي مقارنة بأقرانه، كما يُلاحظ ضعف في التحكم في الأشياء أو الإمساك بها بطريقة غير مستقرة. وقد يسقط أو يتعثر كثيرًا أثناء الجري أو المشي.
مع دخول المدرسة، تظهر الصعوبات بشكل أوضح، إذ يجد الطفل صعوبة في أداء الأنشطة التي تتطلب دقة وتنسيقًا، مثل استخدام المقصّ، الكتابة، التلوين داخل الخطوط، أو تناول الطعام بالأدوات بشكل سليم. غالبًا ما تكون الكتابة بطيئة وغير واضحة، وقد يتعب الطفل بسرعة أثناء أداء الواجبات.
في الأنشطة الرياضية، يعاني الطفل من صعوبة في الجري، القفز، ركل الكرة، أو المشاركة في الألعاب الجماعية التي تتطلّب تنسيقًا بين العين واليد أو بين القدم والعين. وقد يتجنب المشاركة خوفًا من الفشل أو السخرية.
على المستوى النفسي والاجتماعي، قد يشعر الطفل بالإحباط أو يفقد الثقة بقدراته، خصوصًا إذا تمت مقارنته بزملائه. كما يمكن أن تظهر عليه علامات القلق أو العزلة أو ضعف التفاعل الاجتماعي نتيجة لتكرار الفشل في الأنشطة الحركية.
بعض الأطفال يُظهرون تذبذبًا في الأداء؛ فقد ينجحون في تنفيذ حركة معينة في يوم ما ويفشلون في اليوم التالي، مما يعكس طبيعة الاضطراب المرتبطة بضعف التكرار الحركي والتعلم التلقائي.
أسباب اضطراب التنسيق الحركي النمائي
تتعدد الأسباب المحتملة لاضطراب التنسيق الحركي النمائي، ولا يوجد سبب واحد محدد يمكن اعتباره المسؤول المباشر، ولكن الدراسات العلمية أشارت إلى مجموعة من العوامل التي قد تسهم في ظهوره، من أبرزها:
- الولادة المبكرة: الأطفال الذين يولدون قبل موعدهم الطبيعي يكونون أكثر عرضة لاضطرابات النمو العصبي، بما في ذلك ضعف التنسيق الحركي.
- نقص الوزن عند الولادة: انخفاض وزن الطفل عند الولادة قد يؤثر على نمو الدماغ والجهاز العصبي.
- اختلال النمو العصبي في الدماغ: يُعتقد أن هناك خللاً في التواصل بين مناطق الدماغ المسؤولة عن التخطيط الحركي والتنسيق بين الحواس والحركة.
- ضعف في مهارات التخطيط الحركي: أي عدم قدرة الدماغ على رسم خطة دقيقة للحركة وتنفيذها بالترتيب الزمني المناسب.
- وجود اضطرابات مرافقة: مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو صعوبات التعلم أو اضطرابات اللغة.
- العوامل الوراثية: هناك دلائل على أن بعض الحالات قد ترتبط بعوامل وراثية عائلية.
- العوامل البيئية: نقص التحفيز الحركي في مراحل الطفولة المبكرة أو قلة التعرض للأنشطة التي تطور المهارات الحركية الدقيقة.
- إصابات أو مضاعفات أثناء الحمل أو الولادة: مثل نقص الأكسجين أو الالتهابات التي تؤثر على تطور الجهاز العصبي.
أنواع اضطراب التنسيق الحركي النمائي
يمكن تقسيم اضطراب التنسيق الحركي النمائي إلى عدة أنواع وفق طبيعة المهارات الحركية المتأثرة، وتشمل:
- ضعف التنسيق الحركي العام (Gross Motor Difficulties): يشمل صعوبة في أداء الحركات الكبيرة مثل الجري، القفز، ركوب الدراجة أو التوازن.
- ضعف التنسيق الحركي الدقيق (Fine Motor Difficulties): يتجلى في صعوبة أداء المهام التي تتطلب استخدام اليدين بدقة، مثل الكتابة أو استخدام الأدوات الصغيرة.
- النوع المختلط: يجمع بين ضعف المهارات الحركية الدقيقة والكبيرة في آن واحد، وهو النوع الأكثر شيوعًا.
- ضعف التخطيط الحركي (Motor Planning Deficit): يعاني الطفل من صعوبة في تخطيط الحركات أو تنفيذها بتسلسل مناسب.
- ضعف التكامل الحسّي–الحركي (Sensory–Motor Integration Deficit): يكون الخلل في الربط بين المعلومات الحسية التي يتلقاها الطفل وبين تنفيذ الحركة المناسبة لها.
طرق تشخيص اضطراب التنسيق الحركي النمائي
يُعد التشخيص الدقيق لاضطراب التنسيق الحركي النمائي خطوة أساسية لضمان التدخل المبكر والعلاج المناسب. يتم التشخيص عادةً من خلال تقييم شامل يجريه فريق متعدد التخصصات يشمل طبيب الأعصاب أو طبيب الأطفال التنموي والمعالج الفيزيائي والمعالج الوظيفي.
يبدأ التقييم بجمع المعلومات من الأهل والمعلمين حول مراحل نمو الطفل وتاريخه الطبي ومدى تأخره في اكتساب المهارات الحركية. ثم يُجرى فحص حركي شامل لتقييم التوازن والتنسيق والدقة وسرعة الحركة.
يُستخدم في التشخيص عدد من المقاييس والأدوات المعترف بها عالميًا مثل “اختبار تقييم الحركة للأطفال” أو “مقياس التطور الحركي”، وهي أدوات تساعد في مقارنة أداء الطفل بمستوى أقرانه.
من الضروري أن يُستبعد أي اضطراب عصبي أو عضوي آخر يمكن أن يفسّر الأعراض، مثل الشلل الدماغي أو ضمور العضلات أو التأخر العقلي العام. كما يُراعى أن تكون الصعوبات مستمرة منذ الطفولة المبكرة وأن تؤثر فعليًا على الأداء الأكاديمي أو الحياة اليومية.
بعد تأكيد التشخيص، يُعدّ تقرير تفصيلي يتضمن نقاط القوة والضعف لدى الطفل، وخطة التدخل المناسبة التي تراعي احتياجاته الفردية في المنزل والمدرسة والمجتمع.
طرق علاج اضطراب التنسيق الحركي النمائي
العلاج في اضطراب التنسيق الحركي النمائي يهدف إلى تحسين المهارات الحركية وتعزيز قدرة الطفل على أداء الأنشطة اليومية بثقة واستقلالية. لا يُعالج الاضطراب دوائيًا، بل يعتمد على برامج تدريبية وعلاجية متكاملة تشمل ما يلي:
- العلاج الوظيفي (Occupational Therapy): يركّز على تدريب الطفل على الأنشطة اليومية مثل ارتداء الملابس، تناول الطعام، استخدام الأدوات المدرسية، وتنمية الحركات الدقيقة لليدين.
- العلاج الفيزيائي (Physical Therapy): يهتم بتقوية العضلات وتحسين التوازن والتنسيق العام من خلال التمارين الحركية الموجّهة.
- التدخل الموجّه بالمهام (Task-Oriented Intervention): يعتمد على تدريب الطفل على مهام محددة يواجه فيها صعوبة، مثل الكتابة أو ركل الكرة، من خلال تكرارها بأسلوب منظم ومشجّع.
- برامج التدريب على التوازن والتنسيق: تشمل استخدام الألعاب الحركية أو الأنشطة الرياضية المبسّطة لتحفيز الدماغ على تحسين التوقيت والسيطرة على الحركة.
- التدريب باستخدام التكنولوجيا: مثل الألعاب التفاعلية وأجهزة الواقع الافتراضي التي تساعد على تحسين الاستجابة الحركية بطريقة ممتعة.
- الدعم المدرسي: من خلال تعديل الواجبات والأنشطة بما يناسب قدرات الطفل، وتوفير أدوات مساعدة مثل الأقلام السهلة الإمساك أو الكراسي الداعمة.
- إشراك الأسرة والمعلمين: حيث يلعب الأهل والمعلمون دورًا مهمًا في تنفيذ التمارين اليومية، وتشجيع الطفل على الممارسة دون إحباط.
- العلاج النفسي والدعم السلوكي: عند وجود أعراض ثانوية مثل القلق أو ضعف الثقة بالنفس، قد يستفيد الطفل من جلسات دعم نفسي تساعده على التكيّف وتعزيز دافعيته.
طرق الوقاية من اضطراب التنسيق الحركي النمائي
رغم عدم وجود وسيلة مؤكدة للوقاية من اضطراب التنسيق الحركي النمائي، فإن الاهتمام بالنمو العصبي والحركي في المراحل المبكرة يمكن أن يقلّل من احتمالية ظهوره أو من شدته.
ينبغي للأهل تشجيع أطفالهم على ممارسة الأنشطة البدنية التي تتطلب تنسيقًا بين اليد والعين مثل اللعب بالكرة، الرسم، أو استخدام المكعبات. كما يجب توفير بيئة غنية بالتجارب الحركية الإيجابية، والابتعاد عن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية التي تحدّ من النشاط الجسدي.
يُنصح بمتابعة الأطفال الذين وُلدوا مبكرًا أو الذين لديهم تاريخ عائلي باضطرابات النمو الحركي، وإجراء تقييمات دورية لتطورهم. كما أن التوعية المبكرة للآباء والمعلمين حول العلامات الأولية للاضطراب تساهم في الكشف المبكر والتدخل الفعّال قبل تفاقم المشكلات الأكاديمية والاجتماعية.
ومن المهم دعم الطفل نفسيًا وتشجيعه على المحاولة، وتجنب المقارنة السلبية مع الآخرين، فالثقة بالنفس والدافعية عنصران أساسيان في تحسّن المهارات الحركية على المدى الطويل.
في الختام
اضطراب التنسيق الحركي النمائي ليس مجرد صعوبة في الحركة، بل هو تحدٍّ يؤثر على مختلف جوانب حياة الطفل النفسية والاجتماعية والأكاديمية. لكن الخبر الجيّد أنّ الوعي المبكر والتشخيص الدقيق والتدخل العلاجي المناسب يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في مسار نمو الطفل. إنّ فهم هذا الاضطراب يتطلّب نظرة شمولية تجمع بين الجوانب العصبية والسلوكية والنفسية، والتعاون بين الأسرة والمدرسة والاختصاصيين لضمان تحقيق أفضل النتائج.
يستحق كل طفل يعاني من هذا الاضطراب أن يُمنح الدعم والوقت اللازم لتطوير مهاراته، فمع التدريب والتوجيه يمكن أن يتعلم تنفيذ المهام بثقة واستقلالية. وختامًا، تبقى التوعية المجتمعية والتعليم الأسري حجر الأساس في تحسين جودة حياة الأطفال المصابين باضطراب التنسيق الحركي النمائي ومنحهم الفرصة للنمو والازدهار كغيرهم من الأطفال.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Developmental co-ordination disorder (dyspraxia) in children – NHS
Dyspraxia: What It Is, Causes, Symptoms, Diagnosis & Treatment
مصادر أكاديمية وطبية
Developmental Coordination Disorder – CanChild
مقالات ومصادر متعمقة
Developmental Coordination Disorder | Gillberg Neuropsychiatry Centre, University of Gothenburg

