اضطراب الاغتراب عن الواقع: أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
في خضم الحياة الحديثة المليئة بالضغوط النفسية والتغيرات السريعة، قد يختبر بعض الأشخاص إحساسًا غريبًا يشبه الانفصال عن الواقع من حولهم، وكأن العالم فقد معناه أو أصبح مجرد مشهد غريب يُشاهدونه من بعيد. هذه الحالة تُعرف باسم اضطراب الاغتراب عن الواقع، وهي حالة نفسية تثير الحيرة والخوف في نفس المصاب، خاصة حين يشعر أنه فقد الاتصال بنفسه أو بعالمه الخارجي.
يهدف هذا المقال إلى تقديم نظرة علمية مبسطة وشاملة عن هذا الاضطراب، من حيث مفهومه وأعراضه وأسبابه وأنواعه وطرق تشخيصه وعلاجه، إضافة إلى توضيح سبل الوقاية منه. ويأتي هذا في إطار السعي لفهم أعمق للاضطرابات الانفصالية التي تؤثر على الوعي والإدراك، بما يساهم في دعم الصحة النفسية الفردية والمجتمعية.
مفهوم اضطراب الاغتراب عن الواقع
اضطراب الاغتراب عن الواقع (Depersonalization/Derealization Disorder) هو أحد الاضطرابات الانفصالية التي تصيب الإدراك الذاتي أو إدراك البيئة المحيطة. يتميز هذا الاضطراب بشعور الشخص بانفصال عن ذاته أو عن الواقع الخارجي، مع إدراكه الكامل بأن هذا الإحساس غير طبيعي أو غير منطقي.
عندما يُصاب الفرد بهذا الاضطراب، قد يشعر وكأنه يشاهد نفسه من الخارج، أو كأن جسده وآفكاره لا تخصه. وفي حالات أخرى، يشعر أن العالم من حوله غير حقيقي أو ضبابي أو كأنه مشهد من فيلم. ورغم غرابة التجربة، إلا أن الشخص يدرك تمامًا أن ما يشعر به ليس واقعًا فعليًا، وهو ما يميز هذا الاضطراب عن الذهان أو الهلوسة.
يُعد اضطراب الاغتراب عن الواقع من الاضطرابات المعقدة التي تقع في منطقة وسطى بين القلق، والاكتئاب، والاضطرابات الانفصالية. وقد يظهر كحالة مؤقتة ناتجة عن التوتر الشديد أو الصدمات النفسية، أو قد يتطور إلى اضطراب مزمن يؤثر على جودة الحياة اليومية.
أعراض اضطراب الاغتراب عن الواقع
تتفاوت أعراض اضطراب الاغتراب عن الواقع من شخص لآخر، لكنها غالبًا ما تشمل نمطًا مميزًا من الانفصال عن الذات أو العالم الخارجي. يصف المصابون شعورًا بعدم الواقعية، وكأنهم يعيشون في حلم دائم أو خلف حاجز زجاجي. يشعر البعض بأن أجسادهم غريبة عنهم، أو أن أفكارهم لا تخصهم، أو أن أصواتهم تبدو بعيدة ومشوهة.
من أبرز الأعراض الشعورية أن الشخص قد يفقد الإحساس بالعاطفة تجاه نفسه أو الآخرين، فيبدو العالم من حوله بلا معنى أو حياة. أما من الناحية الجسدية، فقد يشعر بخفة أو خدر في أجزاء من جسده، أو وكأنه آلي في تصرفاته.
كذلك يعاني البعض من تشوش في الذاكرة قصيرة المدى وصعوبة في التركيز، إذ يتأثر إدراك الوقت والمكان. فالدقائق قد تبدو ساعات، والعكس صحيح. ورغم هذه التجارب المزعجة، يحتفظ الشخص بقدرته على التمييز بين الواقع والخيال، ما يميز الحالة عن الفصام أو الذهان. من الناحية النفسية، ترافق الأعراض مشاعر القلق والخوف من فقدان العقل أو السيطرة على الذات، وهو ما يزيد من حدة الاضطراب ويطيل أمده.
أسباب اضطراب الاغتراب عن الواقع
تتعدد العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى اضطراب الاغتراب عن الواقع، وغالبًا ما تكون مزيجًا من الأسباب النفسية والبيولوجية. من أبرز هذه الأسباب:
- الضغوط النفسية الشديدة: مثل فقدان شخص عزيز أو التعرض لحادث مؤلم أو صدمة عاطفية قوية.
- القلق المزمن واضطرابات الهلع: حيث قد تظهر نوبات الاغتراب كاستجابة دفاعية للجهاز العصبي أثناء التوتر الشديد.
- الاكتئاب الحاد: إذ ترتبط مشاعر الانفصال عن الذات بانخفاض النشاط العصبي المرتبط بالمشاعر الإيجابية.
- تجارب الطفولة الصادمة: كالإهمال أو العنف الأسري أو التحرش، وهي تجارب تترك بصمة طويلة الأمد على الدماغ.
- الاستخدام المفرط للمخدرات أو الكحول: خاصة المواد المهلوسة مثل الحشيش أو LSD، والتي تغير كيمياء الدماغ مؤقتًا.
- عوامل وراثية أو بيولوجية: تشير الدراسات إلى وجود استعداد وراثي لبعض الأفراد للإصابة بهذا النوع من الاضطرابات.
- اضطرابات النوم المزمنة: مثل الأرق، حيث يؤدي نقص النوم إلى اضطراب الإدراك والإحساس بالواقع.
- التغيرات العصبية: خاصة في مناطق الدماغ المسؤولة عن الإدراك الذاتي، مثل الفص الجداري والفص الجبهي.
أنواع اضطراب الاغتراب عن الواقع
يمكن تصنيف اضطراب الاغتراب عن الواقع إلى عدة أنماط تبعًا لطبيعة الأعراض التي يمر بها الفرد، ومن أبرز الأنواع:
- اغتراب عن الذات (Depersonalization): يشعر الشخص بانفصال عن نفسه، وكأنه يراقب جسده وأفكاره من الخارج.
- اغتراب عن الواقع (Derealization): يتمثل في الإحساس بأن العالم الخارجي غير واقعي أو مشوه أو كأنه حلم.
- النوع المختلط: يجمع بين الاغتراب عن الذات والواقع في آنٍ واحد، وهو الأكثر شيوعًا بين المصابين.
- الاغتراب المؤقت: يحدث لفترات قصيرة نتيجة ضغط نفسي، ثم يختفي تلقائيًا.
- الاغتراب المزمن: يستمر لفترات طويلة وقد يتحول إلى اضطراب مستقر يحتاج إلى علاج نفسي متخصص.
طرق تشخيص اضطراب الاغتراب عن الواقع
يعتمد تشخيص اضطراب الاغتراب عن الواقع على المقابلة السريرية الدقيقة التي يجريها الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي. يتم خلال المقابلة استكشاف طبيعة الأعراض ومدتها ومدى تأثيرها على الحياة اليومية.
يبدأ التشخيص عادة باستبعاد الحالات العصبية أو الطبية التي قد تسبب أعراضًا مشابهة، مثل الصرع أو اضطرابات النوم أو آثار الأدوية. كما تُستخدم بعض المقاييس النفسية المقننة مثل مقياس كامبريدج للاغتراب عن الواقع لتحديد شدة الأعراض. يركز الطبيب على ملاحظة مدى إدراك المريض لواقعية الأعراض، فالإدراك السليم بأن الشعور غير حقيقي هو المفتاح للتفريق بين الاغتراب عن الواقع والذهان.
غالبًا ما يُصاحب هذا الاضطراب حالات نفسية أخرى، مثل القلق والاكتئاب، لذلك قد يتطلب التشخيص فحصًا شاملاً يشمل التاريخ النفسي والعائلي للمريض. التشخيص الدقيق يساعد في اختيار خطة العلاج المناسبة وتجنب الخلط مع اضطرابات أخرى.
طرق العلاج
تتنوع طرق علاج اضطراب الاغتراب عن الواقع، وتُختار وفق شدة الحالة وأسبابها. من أبرز الطرق العلاجية ما يلي:
- العلاج بالتعرض التدريجي: يُستخدم لمساعدة المريض على مواجهة المواقف التي تثير القلق أو الشعور بالانفصال بشكل تدريجي حتى تزول الاستجابة المفرطة.
- العلاج النفسي الديناميكي: يهدف إلى معالجة الصراعات الداخلية اللاواعية التي قد تكون وراء الانفصال عن الواقع، خصوصًا في الحالات الناتجة عن الصدمات.
- العلاج الدوائي: رغم عدم وجود دواء محدد لهذا الاضطراب، إلا أن بعض الأدوية مثل مضادات الاكتئاب SSRIs أو مضادات القلق قد تُستخدم لتخفيف الأعراض المصاحبة.
- تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية (Mindfulness): تساعد المريض على البقاء حاضرًا في اللحظة الراهنة، مما يقلل من الشعور بالانفصال.
- العلاج الجماعي أو الأسري: يوفر دعمًا اجتماعيًا للمريض ويساعد الأسرة على فهم طبيعة الاضطراب والتعامل معه بوعي.
- العناية بالنوم والتغذية وممارسة الرياضة: فهي عناصر أساسية في تحسين الحالة النفسية وتقليل نوبات الاغتراب.
طرق الوقاية من اضطراب الاغتراب عن الواقع
الوقاية من اضطراب الاغتراب عن الواقع تقوم على تعزيز الصحة النفسية العامة وتقوية مهارات التكيف مع الضغوط. فالاهتمام بالنوم الكافي وتجنب المنبهات المفرطة والمخدرات، وممارسة الرياضة بانتظام، تسهم في استقرار الجهاز العصبي. كما أن تعلم أساليب إدارة التوتر مثل التأمل والتنفس العميق يساعد في الحد من تطور الحالات الانفصالية.
من المهم أيضًا معالجة أي اضطرابات نفسية مبكرة مثل القلق أو الاكتئاب قبل أن تتفاقم. كما يُنصح بإنشاء بيئة اجتماعية داعمة، تحفّز على التواصل والمشاركة بدل العزلة.
في حالة التعرض لصدمات نفسية قوية، يُفضل اللجوء إلى مختص نفسي في وقت مبكر لتفادي تراكم الأثر العاطفي الذي قد يقود إلى الاغتراب عن الذات أو الواقع. الوقاية هنا ليست فقط طبية، بل نمط حياة متكامل يوازن بين الجسد والعقل والمجتمع.
في الختام
اضطراب الاغتراب عن الواقع ليس مجرد إحساس غريب يمر به الفرد، بل هو تجربة نفسية عميقة قد تكشف عن معاناة داخلية أو ضغوط لم تُعالج بعد. وعلى الرغم من أن الأعراض تبدو مقلقة، إلا أن العلاج الفعّال ممكن من خلال الدعم النفسي والعلاج السلوكي والاهتمام بالعوامل المعيشية.
إن فهم هذا الاضطراب يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتخفيف الوصمة المرتبطة بالأمراض العقلية. فكلما ازداد وعي المجتمع بأهمية التوازن النفسي، تقل احتمالات الإصابة وتتحسن فرص الشفاء.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Parental alienation syndrome. A developmental analysis of a vulnerable population – PubMed

