اضطراب الأكل الاجتراري: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
الفهرس
تُعد اضطرابات الأكل من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وتشابكًا بين العوامل النفسية والجسدية والسلوكية، حيث لا تقتصر آثارها على نمط التغذية فقط، بل تمتد لتؤثر على النمو الجسدي، التوازن النفسي، العلاقات الاجتماعية، وجودة الحياة بشكل عام. ومن بين اضطرابات الأكل الأقل شيوعًا ولكنها ذات أهمية سريرية كبيرة يظهر اضطراب الأكل الاجتراري، وهو اضطراب غالبًا ما يتم تجاهله أو الخلط بينه وبين مشكلات هضمية عضوية، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص والتدخل العلاجي.
يمثل هذا الاضطراب تحديًا حقيقيًا للأسر والمختصين، خاصة عند ظهوره في مراحل الطفولة المبكرة، حيث قد يُفسَّر السلوك على أنه عادة سيئة أو مشكلة مؤقتة. ومع ذلك، تشير الدراسات النفسية والطبية إلى أن اضطراب الأكل الاجتراري قد يستمر لفترات طويلة إذا لم يُعالج بالشكل الصحيح، وقد يترك آثارًا نفسية وجسدية عميقة.
مفهوم اضطراب الأكل الاجتراري
اضطراب الأكل الاجتراري هو اضطراب تغذية وسلوك يتميز بعودة الطعام الذي تم ابتلاعه حديثًا من المعدة إلى الفم بشكل متكرر، حيث يقوم المصاب بمضغه مرة أخرى أو إعادة بلعه أو إخراجه، دون وجود غثيان أو قيء قسري، ودون سبب عضوي واضح في الجهاز الهضمي. يحدث هذا السلوك بشكل لا إرادي في الغالب، وقد يصبح عادة مكتسبة مع مرور الوقت.
يصنَّف هذا الاضطراب ضمن اضطرابات الأكل والتغذية في التصنيفات التشخيصية الحديثة، ويُلاحظ بشكل أكبر لدى الرضع والأطفال، إلا أنه قد يظهر أو يستمر لدى المراهقين والبالغين. من الناحية النفسية، يرتبط الاضطراب بآليات تنظيم ذاتي غير فعالة، حيث قد يوفر الاجترار شعورًا بالراحة أو التخفيف من التوتر، مما يعزز استمراره.
يختلف اضطراب الأكل الاجتراري عن القيء العصبي أو الارتجاع المعدي المريئي، إذ لا يكون مصحوبًا بأعراض جسدية حادة، ولا يرتبط عادة بصورة الجسم أو الخوف من زيادة الوزن، كما هو الحال في بعض اضطرابات الأكل الأخرى. هذا التمييز الدقيق ضروري لفهم طبيعة الاضطراب ووضع خطة علاجية مناسبة.
أسباب اضطراب الأكل الاجتراري
تظهر أعراض اضطراب الأكل الاجتراري على عدة مستويات، وتزداد وضوحًا مع استمرار السلوك دون علاج. يتمثل العرض الأساسي في تكرار ارتجاع الطعام بعد تناوله بفترة قصيرة، غالبًا خلال دقائق، ويحدث ذلك بهدوء نسبي دون انزعاج واضح من الشخص المصاب. قد يبدو الطفل أو المريض وكأنه يقوم بسلوك معتاد، مما يجعل ملاحظة المشكلة أكثر صعوبة.
مع مرور الوقت، تبدأ الأعراض الجسدية في الظهور، مثل فقدان الوزن التدريجي، ضعف الشهية، سوء التغذية، وتأخر النمو الجسدي لدى الأطفال. كما قد تظهر مشكلات في الفم والأسنان نتيجة التعرض المتكرر لأحماض المعدة، إضافة إلى رائحة الفم الكريهة واضطرابات الجهاز الهضمي الثانوية.
على الصعيد النفسي، قد يعاني المصاب من القلق، التوتر، أو الانسحاب الاجتماعي، خاصة في الحالات التي يكون فيها واعيًا لسلوكه ويشعر بالخجل منه. لدى المراهقين والبالغين، قد يؤدي الاضطراب إلى تدنٍ في تقدير الذات وتأثر العلاقات الاجتماعية. كما قد تعاني الأسرة من مشاعر الإحباط والقلق نتيجة عدم فهم طبيعة السلوك أو فشل المحاولات التقليدية لإيقافه.
أسباب اضطراب الأكل الاجتراري
- عوامل نفسية مثل القلق المزمن والتوتر العاطفي
- الحرمان العاطفي أو ضعف العلاقة مع مقدمي الرعاية
- قلة التحفيز البيئي خاصة في الطفولة المبكرة
- اضطرابات النمو العصبي
- الإعاقة الذهنية بدرجاتها المختلفة
- التعلم السلوكي الخاطئ المرتبط بالشعور بالراحة
- صعوبات في تنظيم المشاعر
- التعرض لضغوط نفسية أو صدمات
- بيئة أسرية غير مستقرة
- غياب الروتين الغذائي المنظم
- تعزيز غير مقصود للسلوك من الأسرة
- تاريخ سابق لاضطرابات الأكل
- ضعف المهارات الاجتماعية
- اضطرابات القلق المصاحبة
طرق تشخيص اضطراب الأكل الاجتراري
يعتمد تشخيص اضطراب الأكل الاجتراري على التقييم السريري المتكامل، والذي يشمل الجوانب النفسية والطبية والسلوكية. يبدأ التشخيص بجمع التاريخ الطبي والغذائي الكامل، مع التركيز على توقيت حدوث الاجترار، وتكراره، والعوامل التي تزيده أو تخففه. من الضروري استبعاد الأسباب العضوية المحتملة مثل أمراض الجهاز الهضمي أو الارتجاع المعدي المريئي.
يقوم المختص بملاحظة السلوك بشكل مباشر أو بالاعتماد على وصف الأسرة، وقد تُستخدم مقاييس تقييم نفسية لتحديد شدة الاضطراب وتأثيره على حياة المريض. كما يتم تقييم الحالة التغذوية والنمو الجسدي، خاصة لدى الأطفال.
في بعض الحالات، قد يتطلب الأمر تعاونًا بين طبيب الأطفال، الطبيب النفسي، وأخصائي التغذية للوصول إلى تشخيص دقيق. التشخيص المبكر يُعد عاملًا حاسمًا في تحسين فرص التعافي وتقليل المضاعفات.
مقال ذو صلة: اضطراب الأكل العصبي: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
طرق علاج اضطراب الأكل الاجتراري
- العلاج السلوكي القائم على كسر نمط الاجترار
- تدريب المريض على استجابات بديلة بعد الأكل
- العلاج السلوكي المعرفي
- إشراك الأسرة في الخطة العلاجية
- تنظيم مواعيد الوجبات
- تحسين بيئة تناول الطعام
- تقنيات التعزيز الإيجابي
- علاج القلق أو الاضطرابات النفسية المصاحبة
- المتابعة الطبية لمراقبة الوزن والنمو
- التدخل المبكر خاصة في الطفولة
- الدعم النفسي طويل الأمد
- التعاون بين الطبيب النفسي وأخصائي التغذية
- تعليم مهارات التنظيم الذاتي
- تقنيات الاسترخاء وإدارة التوتر
- تعديل العادات الغذائية بشكل تدريجي
طرق الوقاية من اضطراب الأكل الاجتراري
تُعد الوقاية من اضطراب الأكل الاجتراري عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية، خاصة لدى الأطفال. تبدأ الوقاية بتوفير بيئة أسرية مستقرة وداعمة، تُلبّي الاحتياجات العاطفية للطفل وتُشجّع على التواصل الإيجابي. كما يُعد تنظيم أوقات الوجبات وتقديم الطعام في جو هادئ عاملًا مهمًا في الوقاية.
يساهم وعي الوالدين بالمراحل الطبيعية للنمو الغذائي، والانتباه المبكر لأي سلوكيات غير طبيعية، في التدخل السريع قبل ترسخ الاضطراب. لدى المراهقين والبالغين، تلعب إدارة الضغوط النفسية، وتعلم مهارات التعامل مع القلق، دورًا وقائيًا مهمًا. كما أن نشر الثقافة الصحية حول اضطرابات الأكل، وتقليل الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية، يعزز فرص الوقاية المجتمعية على المدى الطويل.
في الختام
اضطراب الأكل الاجتراري هو اضطراب نفسي سلوكي يتطلب وعيًا طبيًا ونفسيًا دقيقًا لفهمه والتعامل معه بشكل صحيح. وعلى الرغم من قلة انتشاره مقارنة باضطرابات الأكل الأخرى، إلا أن تأثيره قد يكون عميقًا وممتدًا إذا لم يتم تشخيصه وعلاجه في الوقت المناسب. إن الجمع بين العلاج السلوكي، الدعم الأسري، والمتابعة الطبية يشكل الأساس في تحسين الحالة والحد من المضاعفات.
يمثل هذا الاضطراب مثالًا واضحًا على أهمية التكامل بين الصحة النفسية والجسدية، ويؤكد أن فهم السلوك الإنساني من منظور علمي شامل هو الطريق الأمثل لتعزيز جودة الحياة وتحقيق التعافي المستدام.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Rumination Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Rumination syndrome – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Rumination Syndrome: What It Is, Symptoms and Treatment
Rumination Syndrome | Johns Hopkins Medicine
مقالات ومصادر متعمقة
Rumination Disorder: Eating Disorder Explained | Eating Disorders Victoria

